ماهر أبي نادر *

لم أكن بحاجة لأن أقرأ مقالتك لأعرف أنك أصيل يا صديقي عباس، ولا أريد أن أستفيض في وصف محاسن أخلاقك، فأنت لست بحاجة لشهادة مني أو من أحد لأنّ أخلاقك وسلوكك اليومي مع الآخرين هما الشهادة لك. لذلك أريد أن أقرأ في سطورك الأمينة والصادقة للمشهد السوريالي الذي رسمته لوجود صديقك عقاب صقر في المجلس النيابي في جلسته الأولى.
ولكن قبل البدء في هذه القراءة، لا بدّ من التوضيح أنني تماماً كما عباس، لا ألتقي مع عقاب في أي من مواقفه وآرائه السياسية، وكلاهما يعرف ذلك جيداً، وأن هذا الخلاف في الرأي كان مدار نقاش بيني وبين عباس في أحيان كثيرة، ليس على خلفية أن عقاب محق في موقفه أو مخطئ، بل على خلفية ما إذا كان بالإمكان أن تكون هناك صداقة عميقة بين شخصين يختلفان حتى على «لون السماء».
لقد لامست عين الحقيقة يا صديقي عباس عندما وصفت وجود عقاب في المجلس النيابي بـ«الغربة»، فهذا المجلس هو نتاج قانون انتخابات طائفي ومذهبي تبرأ منه قبيل صياح الديك الناس أنفسهم الذين شرعوه. وندعو الله أن نتمكن من تجاوز مفاعيله من دون حرب أهلية. غير أن رؤيتي لغربة عقاب في المجلس تذهب أبعد بقليل من رؤيتك يا عباس، وفي ما يأتي الأسباب:
إن عقاب، في لعبة المذاهب والطوائف التي ارتضاها حكماً بين اللبنانيين، قرر أن يكون فيها في موقع «الخيانة» لطائفته، وأعتذر من عقاب هنا فليس المقصود الإساءة له ولقناعته، ولكن في لعبة شروطها مذهبية إلى هذا الحد، وطائفية إلى هذا الحد، لم أجد تعبيراً أدق من هذه الصفة، وهي تعني أكثر مما تعنيه ما قصدته أنت يا عباس بـ«الغربة»، أي أنه ليس بين «أبناء ملته» بحسب التعبير الدارج.
وفي لعبة الإقطاع السياسي، عقاب ليس ذلك اليتيم الفقير القادم من منطقة الحرمان الخدماتي والتنموي (بعلبك الهرمل) إلى أزقة الشياح وخندق الغميق وشوارعهما، بل هو الامتداد الفولكلوري للإقطاع السياسي الذي انتقاه لأسباب لا تخفى على النهم المعرفي لعقاب، كما أرجو أنها لا تخفى عليك يا صديقي. فمن ضمن عدة الشغل لهذا الإقطاع، أن يكون لديه شخص بمواصفات عقاب الفكرية والطائفية والمذهبية والطبقية. ولكن هذا لا يمنع أن يمثّل هذا الوضع الفولكلوري غربة بحد ذاتها لصاحبه عقاب، وأعتقد أنه يعرف ذلك ولكن كما قال كارل ماركس نفسه يا صديقي «للبورجوازية بريق ساحر».
وفي اللعبة الطبقية الاجتماعية، لا يمثّل انتشال عقاب من بؤرة الفقر والعوز ووضعه تحت قبة البرلمان سوى محاولة سخيفة لصلح طبقي شكلي على حساب صراع يتجذر عميقاً كلما ارتفع الدين العام ولم تجد السلطة الحاكمة سوى فرض المزيد من الضرائب على ذوي الدخل المحدود مصدراً بترولياً لمداخيل موازنتها. وبهذا المعنى فإن عقاب حيث هو يعيش غربة طبقية واضحة.
إذ أذكر كل ذلك، لا أريد أن أبخّس عقاب حقه في المعرفة والفطنة والذكاء، ولا أريد أن أكون في موقع من يعطي شهادة لأحد، فهو أيضاً ليس بحاجة لهذه الشهادة مني أو من غيري بعدما حاز شهادة أكثر من 49 ألف ناخب! ولكن أرجو ألا يكون هو نفسه قد صدق أن هؤلاء الناخبين هم من المعجبين بشخصه ومعرفته وذكائه، وإلا فتلك مصيبة كبرى.
أخيراً يا صديقي عباس، أريد أن أقول لك إن عقاب حيث هو اليوم (موقعاً وخياراً) لا يشبهك أبداً ولا يشبه نفسه التي نشأ عليها، بل هو عقاب آخر مختلف تماماً، وستريك الأيام كم سيكون هامش الحركة عنده ضيقاً إذا أراد أن يخرج عن طاعة أصحاب السلطان، ولا سيما عندما يقترح قوانين لها بعدها الاقتصادي الاجتماعي، لأنني، كما تعرف، غير معني بتلك المتعلقة بالبعد الطائفي والمذهبي. وبكلمات أخيرة أيضاً، وبما أنني من المشاركين في معاناتك في البحث عن أفضل المدارس لابنتك «لين»، أعترف لك بأنني عانيت كثيراً قبل أن أقرر أن أنقل إليك رأي أحد الوزراء الذين طلبت مساعدتهم لتسجيل «لين» في مدرسة لأبناء العائلات باب أول، إذ قال هذا الوزير بكل وقاحة «يعني ابن مين عباس ناصر هيدا وشو بيشتغل أبوه؟»، علماً بأن هذا الوزير لا يحمل شهادة جامعية ويُعرف عنه ولعه بالقمار وهو ابن شخصية سياسية كبيرة في البلاد شاءت الظروف الإقليمية أن تصنع منه زعيماً، وهو بالكاد تخرّج من الكتاب. لذلك أرجو أن يكون دخول عقاب المجلس النيابي فاتحة خير لـ«لين»، لكنه لن يكون حلاً لمكافحين أمثالك بنوا حياتهم لبنة لبنة على طريق النجاح المهني والارتقاء الطبقي من رتبة «معدم» إلى رتبة «الحمد لله مستورة ومكتفيين»، وذلك من دون أن يكونوا «فولكلوراً» لإقطاعي، أو لمرتكبي «خيانة» مذهبية وطبقية.
* إعلامي لبناني