طالب رضا *

نشرت «الأخبار» في عددها رقم 856 الصادر يوم 29 ـــ 6 ــ 2009، مقالاً لعصام العريان مع تعريف عنه بأنه أحد قادة حركة الإخوان المسلمين في مصر. ولفتني، وغيري من القرّاء، ما تضمّنه المقال من مغالطات تاريخية وفكرية، وعدم اطّلاع على بعض مفاهيم التشيّع وعلى واقع المجتمعات الشيعية التي من الواضح أنه يتحدث عنها دون أن يكون قد تعرّف إليها عن قرب.
1 ـــ ذكر الكاتب أن بداية الخلاف السياسي كان على «مَن الأحق بتولّي الخلافة بعد الرسول. ورأت أقلية أن الأولى هو علي بن أبي طالب، بينما اختارت الغالبية الساحقة أبا بكر الصديق خليفةً للرسول، وبايعت جموع الصحابة بيعة السقيفة». من المؤسف أن يجري في مقال سياسي تناول واقعة تاريخية حساسة جداً في التاريخ الإسلامي بطريقة منحازة ومجتزأة وسطحية. كان من الأجدى أن يُترك هذا الأمر إلى أهله ومحلّه، وأن لا يُزَجّ به في مقالة عجالة، فهذا ليس مكان نقاشها وبحثها.
لكننّي أجد نفسي مضطّراً إلى المرور على ما أورده العريان. فهو اجتزأ من وقائع واقعة (السقيفة) أنه جرى توقيت ترتيبها في وقت كان رسول الله لم يُغسّل بعد، وكان قرابته ولا سيما الإمام عليّ، وبعض كبار أصحابه متكفّلين أمره وقد لفظ لتوّه أنفاسه الشريفة. وفي هذا التوقيت «اللافت»، جرى «تهريب» بيعة السقيفة والرسول من غير غسل ولا تكفين. فانصرف آخرون لقطف ثمرة الخلافة. أما الغالبية الساحقة التي يتحدث عنها، فأغفل عند ذكرها، أنها تمت بغياب أهل بيت رسول الله وأقرب الناس إليه، وأن بعض كبار الصحابة امتنعوا عن البيعة، وبعضهم جرت محاولة إجبارهم على البيعة وإلى آخره من ظروف مسّت بشرعية هذه البيعة من أساسها، وبشهادة الخليفة الأول أنه تسلّم الخلافة «ولم يكن أفضل المسلمين». وكلمته هذه مشهورة، فلماذا اجتزاء التاريخ؟ وهذه أمور مشهورة ومفصّلة في محلّها من الكتب والمصادر.
فلندع هذا الحديث الذي يطول ويتشعّب، جانباً، وليس هذا محله، لكنني أوردته ردّاًعلى هذا الاجتزاء.
2 ـــ وبعد أن يتحدث عن أن التأصيل لمفهوم الإمامة عند الشيعة جاء بعد معارك الإمام علي في الجمل وصفّين وتحول الخلافة إلى ملك عضود بعده، يقول إنه «لذلك، جاءت النصوص التي يجري تأويلها بتعسف شديد ولا تعترف بها الغالبية العظمى من المسلمين لتؤكد تلك النظرية».
يحار المرء بالرد على الكاتب، لكن لن أخوض في الدلالات الواضحة كالشمس لروايات متفق عليها بين المسلمين بشأن خلافة الإمام علي كما في نص غدير المتواتر وحديث المنزلة وغيرهما. لكنني أود أن ألفت نظره إلى أن النقاش العلمي لا يكون بهذه الطريقة ولا يجري التطرق إلى مواضيع حساسة بهذه الخفّة حتى يُتهم فريق أساسي من المسلمين «بالتعسف الفكري».
التعسف هنا هو المبادرة إلى تسفيه منطق فئة أساسية من المسلمين وهو منطق لا يناسب دعاة الوحدة بين المسلمين، وليس على صفحات الجرائد.
3 ـــ ثم يورد مغالطة تنمّ عن عدم معرفة بالحد الأدنى من عقائد الشيعة، فيقول إن آخر أئمة الشيعة كان محمد بن الحسن العسكري الذي عند وفاته، «قال الشيعة بغيبته غيبة صغرى ثم غيبة كبرى طالت حتى يومنا هذا». أود التصحيح للكاتب أن الشيعة لا يقولون إن هذا الإمام توفي وهم يعتقدون أنه غاب وكان لا يزال صبياً ولم يشهد أحد جنازة له.
4 ـــ يقول الكاتب إنّ الزائر اليوم لإيران، أو لمناطق الشيعة في بلاد أهل السنّة (كما يعبّر)، يشعر «بغياب المظاهر الإسلامية التعبّدية المشهورة، بينما كان المظهر الأبرز للصحوة الإسلامية في البلاد الإسلامية انتشار المساجد والإقبال على الصلاة في المسجد وانتشار الحجاب بين النساء والفتيات، وكثرة حفظ القرآن، والإقبال على العلم الشرعي بمنهجية علمية أو بجهود فردية، والمطالبة المستمرة بالعودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في كل مناحي الحياة، والمحاولات المستمرة لإحياء التطبيقات الإسلامية في الاقتصاد والسياسة والإعلام والفن». هكذا بكل بساطة ينفي العريان كل ما يمتّ بصلة إلى التديّن والإسلام من مظاهر عن أتباع مذهب أهل البيت (نعم بقيت اللحية لم ينفها)، فغابت المساجد وأذانها وروّادها وغاب الحجاب وغاب حفظ القرآن وتلاوته...
إن هذا الكلام فيه من الافتراء والاختلاق ما يخالف أبسط الحقائق والوقائع التي يمكن أن يعاينها زائر إيران ومناطق «الصحوة الإسلامية الشيعية في العالم»، وإن ما يميّز هؤلاء هو مساجدهم واختلاف الناس إليها وانتشار الحجاب بين نسائهم واهتمامهم بالقرآن والعلوم الدينية. ما هذا التعميم والمجانبة للعلم والمنطق العلمي في تناول الوقائع حيث يقول «ويحاول الزائر إلى إيران أن يجد الملامح التي تعوّدها من الصحوة الإسلامية، فلا يجد مساجد للشيعة ولا للسنّة، ولا يسمع الأذان في مواقيته الخمسة، ولا يجد الحجاب الذي تعوّده... ويجد التدخين سائداً ومنتشراً بين الملالي جميعاً تقريباً»؟ غريب هذا الأمر، فأنا شيعيّ وأعيش بين الشيعة وفي مجتمعهم وأعرفهم أكثر مما يعرفهم الكاتب ولا أرى ما يراه بل أرى خلاف ذلك.
5 ـــ ويذهب الأخ إلى ما هو أدهى وأمرّ، فيقول إن «البسطاء من الشيعة يفرّغون أشواقهم الدينية عند المزارات وقبور الأئمة والاحتفالات الحاشدة». يريد أن يقول إن هؤلاء الشيعة يفرغون ما سمّاه أشواقهم الدينية (مصطلح جديد) في غير مكانها، أي بطريقة فيها انحراف عن الدين الحنيف. حتى صلاة الجمعة رغم ظهورها ووضوحها، نفى عنها السمة الدينية والعمق الديني.
6 ـــ يقول الكاتب إن الصحوة الإسلامية في إيران «عندما انتشرت خارج إيران، فشلت في تصدير أفكارها إلى أهل السنّة بينما نجحت في رصّ صفوف الشيعة في عمل سياسي بارز في لبنان والعراق والبحرين واليمن». وكأن الأثر في الوسط الشيعي هو فقط أثر سياسي. وكأنه يقول أنْ لا شغل للشيعة هؤلاء بالدين ومعه، بل فقط صحوتهم سياسية.
إن زعمه الخاطئ وغير العلمي هذا إنما يتقاطع مع ما تسعى إلى ترويجه جماعات التكفير في الأوساط القريبة منه.
7 ـــ بشأن ما ذكره عن ولاية الفقيه، لا بد من لفت النظر إلى أن النظرية ليست من اكتشاف الإمام الخميني، بل لها تاريخ في الفقه الشيعي، وهي تعود إلى أجيال متقدمة من فقهاء الشيعة، وهذا أمر معروف للمطّلع على الفقه الشيعي.
8 ـــ غاب عنه في حديثه عن ولاية الفقيه بعض الشروط التي يجب توافرها في الفقيه المبسوط اليد، ومن أبرزها معرفته بأمور زمانه إلى جانب فقاهته. وهذا ينسف ملاحظته الأولى التي يستند إليها للقول بضرورة تغيير هذه النظرية (ولاية الفقيه) وتطويرها، حيث خلط في الوقت نفسه بين السند الفقهي للنظرية، ومعرفة الفقهاء بأمور السياسة حتى أضاع مقصده مما كتبه.
9 ـــ يستعرض في السبب الثاني لقوله بضرورة تغيير هذه النظرية «معارضة كبار الفقهاء لها (أي لولاية الفقيه)» وهو على هذا الصعيد ينتقي ما يلائم ذوقه ومقالته من أسماء فقهاء، فيعدّد بعضهم ويعرض عن أسماء آخرين ممن يؤيدونها ويقولون بها. لا أعرف أكان ذلك جهلاً وهو غير معذور به، أم لأسباب أخرى! بل أكثر من ذلك حيث يقول إن العلماء الذين ذكر أسماءَهم لا يقولون بولاية الفقيه أمر غير دقيق، ويعرف ذلك أهل العلم، حيث لآراء هؤلاء العلماء الكبار، تفاصيل لا يمكن تناولها بهذه الخفة وفي مقال كهذا.
10 ـــ يقول الأخ إن سماحة القائد «الخامنئي ليس من الآيات العظمى». كيف عرف ذلك؟ هذا ادعاء مجافٍ للواقع، فمرجعية سماحة القائد أمر معلوم لدى أهل الخبرة، وفي نفيها افتراء بصرف النظر عما إذا كان الجميع يقول بأعلمية سماحته أم لا.
11 ـــ يقول الأخ: «وهل يدرك الشيعة أن غيبة الإمام التي طالت، قد تطول أكثر وأكثر، وأن الحاجة ملحّة إلى العودة إلى الأمة نفسها لتتولّى أمور دنياها وتختار بحرية من يحكمها وتحاسبه على ذلك وتعزله إن أرادت؟». يريد للشيعة أن يغيّروا معتقدهم فقط لأنه يرى الزمن تغيّر وسبق هذه «النظرية».
* كاتب لبناني