أنسي الحاج


ليت العرب ظاهرة صوتيّة

الموسيقى: ما يسكّن الضجيج ـــــ بما فيه ضجيج «هذه» الموسيقى المزعومة ـــــ ويوقظ فجر الأشياء. ما يَغْسل حيث لا يصل مَطْهر. الوعي الآخر. موسيقى تستنهض الماء في الصحراء وتمدّ الأعناق خارج الأسر، فوق العناصر.
الصوت المغنّي: أجمل من الوجه الجميل. جمال يلغي شعورك بالحَذَر أمامه. يمحو كلّ سبب للقرف.
نشهد اليوم فتنة ضدّ هذا المفهوم للموسيقى والصوت. مؤسسات ضخمة تعمل لتسييد المواء والغباء ودكّ أسس الذوق. عندما نقول موسيقى وغناء، قطعاً لا نقصد الهبوط المسوَّق، بل الاستثناءات التي فرضت وتفرض نفسها رغم انتشار الضحالة. (الشيء نفسه ينطبق على الشعر والرواية والرسم والمسرح إلخ...).
حتّى لا نظلم الحاضر يجب التذكير بأن لكل مرحلة إسفافها، لكن الخطر في إسفاف الحاضر كونه اجتياحيّاً مجهّزاً بأسلحة فتّاكة، من الخطة إلى المال، فضلاً عن الجهل كأساس «عقائدي» لدى بعض الوكلاء العرب خاصة، وفي أحسن الافتراضات ظنّاً.

كان عبد الله القصيمي يقول إن العرب ظاهرة صوتيّة. ليتهم كانوا كذلك. ليتهم كانوا للصوت بمعناه الأصفى، المناقض للحسّ الغوغائي. الألمان ظاهرة صوتيّة أدنى ما فيها الانخطاف بهتلر ولكن وتيرتها العظمى والطاغية هي الانخطاف بباخ وموزار وبيتهوفن. الصوت هو صدى ما في داخلك من صوت، في صميم داخلك، تحت غطاء الضباب الكثيف. هو ما نحبّه كلّ الوقت وما يقدر أن يُطْلع كل شيء آخر منّا. هو أنفاسنا رُدّت إلينا. هو خَلْق الحنين الساعي في حلمه. إنه الجزء اللطيف المُحبّ من لغة الآلهة المخيفة، إنه اللغة الفوق بشريّة الأكثر إنسانية من الإنسان، واللغة الملائكيّة الأشد قرباً إلينا من أي ملائكة، إنه اللغة الإلهيّة التي عندما تُخاطب البشر لا تحمل لهم غير العافية والسموّ والقوّة والحبّ وأذكى عطور الحقول.


الأذن والعين

ثمّة مَن يجد رضىً خاصّاً في العطاء، بل في أن يؤخذ منه. عندما ننقل الموضوع إلى صعيد التأليف الفني والأدبي لا يعود هناك أرقى ولا أقوى ممّن يُعطيك، ولا يأخذ منك غير إعجابك. تغمرنا هذه النعمة في الموسيقى والغناء ونستمتع بهما أكثر ممّا نستمتع لدى مطالعتنا أدباً مُنعماً عليه، لأن لغة الصوت والموسيقى أكثر إعجازاً ولأن الأذن أكثر عمقاً من العين، وبالأخص لأننا نغرق في الغربة الساحرة أعمق ممّا نذهب مع الألفة الساحرة. سطوة الغربة تُقلّص مساحة التساوي وتفرض الاستسلام.
هذا الكلام من كاتب كان يقابله دوماً اعتراضٌ من الملحّنين وإصرار على تعظيم شأن الكلمة ووضعها في المقام الأول. دوّامة تجامُل، أو هو وَهْم الجاهلين بعضهم بعضاً. علاقة ملتبسة وخصبة أكثر ما نصادفها بين موسيقي وكاتب. وكم من موسيقي كَتَب أو تَطَلّع إلى الكتابة وكم من كاتب كتب على خلفيّة خيال غنائي أو سمفوني وانطوى على حنين مُحْبَط إلى الاشتغال بالموسيقى.
... ويُعتدى على الأذن مثلما يعتدى على العين. ولم يكن بدّ في الماضي ولن يكون بد في المستقبل من سطوة إرهابٍ معنوي مستحَقّ يفرض المعايير والقيم ضدّ الفوضى.


تحت وطأة لحظة

الزعل، فجأةً، مع شخص عزيز، يرمي بكَ وحيداً وسط أقيانوس تكتنفه الظلمات وتعلوه قبّة أعظم هولاً منه.
في هنيهة يتمزّق غلاف الأمان. الصدر يغدو مَرْمَدة والصوت يختنق. الجبين الذي كان يغلي بالمشاريع يخلو فجأةً إلا من الهَلَع. «ما أضعفني!» تقول، وتودّ لو تصرخ «النجدة!». النجدة ممَّ؟ ممّن؟ ربّما من إحساسك بزوال قانون الجاذبيّة الذي كان يربط وجودك إلى الشخص العزيز ويؤمّن توازنك. فقد أمسيت الآن، تحت وطأة الزعل، متروكاً بلا كفيل، بلا فضول، لا رفيق لك غير كبرياء تأبى الالتفات إليك ما لم تطعمها قلبك.
لحظة زعل مع شخص عزيز حكْم بالانفصال إلى العزلة المهزومة، تستيقظ فيها الذنوب كالأفاعي، وعِقَد النقص كالدبابير، إلى الأمام الرماد وتحت القدمين الفراغ وفوق الرأس جيوش من النجوم تبدو لك، في أنانيتك النازفة، ذروة الغباء، تُنافسها جحافل الموج الهاجمة إلى الأبد على طواحين الرمال.


الاحتجاج على الظلم

رَفْعُ الحنان إلى مستوى الألوهة. التضامن البشري عن طريق الشعور لا عن طريق الروابط الدينيّة والعرقية. الإلحاد ليس شرطاً للتحرّر والانفتاح بل الشرط هو الإحساس. الإلحاد، بالعكس، قد يكون تغطية للتحجّر واللامبالاة. التعصّب كذلك. كلاهما غياب إلهيّ وكلاهما جفاف روحي.
الاحتجاج على الظلم (في الطبيعة أو المجتمع) غالباً ما يتحوّل إلى ظلم من نوع آخر، ذروته استباحة الحياة، أو القتل باسم الثورة، باسم المَثَل الأعلى، باسم الثأر من انعدام المعنى.
انظرْ إلى النتائج: أكثر ما يُخفّف القهر ليس الصراخ والغضب بل الرقّة.

ضميره نظره

لا ينظر إليك وهو يؤذيك. هكذا يتخلّص من ضميره، فضميره ذاكرته وذاكرته نظره ونظره مفصول عن باقيه.

إعادة تكوين

من علامات انقلاب الأشياء أن الصحافة الأدبيّة اعتمدت أسلوب الصحافة السياسيّة (بما فيها من طمس الأساسي تحت الهامشي) عوضَ أن تتأثّر الصحافة السياسيّة بالأدب وتتلقّح بقيمه. هبوطٌ يشمل اللغة، إذ تدهورت لغة الثقافة نحو الكليشيهات والاستثارات الرخيصة، ولم يعد يلمع إلا ما تُحفّزه المصالح والنرجسيّات.
الأخطر، وهذه وقَبْلها ظاهرة عالميّة، تراجُع الصحافة الأدبيّة عن النقد. بات التهرّب من الصرامة براعة. ليس دائماً بضغط العلاقات بل أحياناً خشية الخطأ. منذ الظلم الذي أُلحق ببودلير ورمبو ثم إعادة الاعتبار المدوّية لهما أصيب عالم النقد الفرنسي، وبعده العالمي، بعقدة الخطأ، وأصبحت القسوة استثنائية والشدّة غائبة لحساب التحليل الذي لا يستوجب موقفاً ناصعاً، أو تضييع الموضوع بخلط أوراق صبياني. ولم تلبث الصحافة الثقافية بدورها أن خضعت بالكامل لمقاييس الاستهلاك التجاري، وحلَّ الترويج محلّ التقييم.
إن ما يجب إعادة تكوينه الآن ليس الشعر ولا الرواية ولا الموسيقى ولا التصوير ولا الحبّ ولا الرغبة، بل النقد.

الخبر اليقين

أنتَ مَن يحمل النور إلى عينيكَ لا النور ولا عيناك. أنتَ مَن يكسو ويُعرّي لا الثياب. وهذا الهواء في يديك، واليد في هوائك، والسماء حول العنق. وأمّا التعب فليس تعبك.
اعطِ ثقتك للسراب.



من نيتشه

«سوء فهم بخصوص الحنان. هناك حنانٌ خادميّ يُذعن وينحطّ، يَرْفع إلى الصعيد المثالي ويخطئ. وهناك حنانٌ إلهي يَحْتقر ويُحبّ، يُغيّر ويسمو بمَن يُحبّ».
(نيتشه)
□ □ □
«ما إن تصير وسائل القوّة غير كافية حتّى تبدأ في الظهور أساليب التخويف والإرهاب. بهذا المعنى، يمكن القول إن أي نوعٍ من أنواع العقاب النموذجي هو دليل ضعف في تلك الفضيلة المُشعّة التي ينبغي صدورها عن الأقوياء. إنه دليلٌ على كونهم قد أخذوا يشكّون في قوّتهم».
(نيتشه)
□ □ □
«أودّ لو أطرد من دولتي المثالية الأشخاص «المثقفين، كما طرد أفلاطون الشعراء. ذلك هو إرهابي أنا».
(نيتشه)
□ □ □
«ضد نزعة «الثقافة العامة»: فلنبحث بالأحرى عن الثقافة الحقيقيّة، النادرة والعميقة. لنقلّص حجم الثقافة ونكثّفها، كردّة فعل على الصحافة...».
(نيتشه)
□ □ □
«يا صديقي، «الخطيئة الأصليّة» هي بالتأكيد البرهان على فضيلتك الأصليّة».
(نيتشه)