سوزان هاشم

أعاد كشف النقاب عن العملاء، بالتزامن مع حلول الذكرى الثالثة لحرب تموز، نكء جراح أهالي بلدة الغازية التي شهدت مجازر خلال حرب تموز، أسفرت عن استشهاد أكثر من 33 شهيداً وتدمير مبانٍ سكنية وبنى تحتية.
كيف لا؟ وبصمات هؤلاء العملاء بانت دامغة، بعد الإشارات الفوسفورية التي وضعوها آنذاك لإرشاد الطائرات الإسرائيلية إلى ما تبحث عنه من «أهداف ومواقع يرونها مناسبة» فتقصفها.
ح. ش. هو العميل الوحيد الذي تم إلقاء القبض عليه حتى الآن من بين هؤلاء، متلبّساً الجرم في بلدة الغازية، حيث يسكن منذ أكثر من 20 سنة، فيما أطلق سراح ثلاثة موقوفين آخرين لم تثبت إدانتهم. وقد اعترف ح. ش. حتى اللحظة وفقاً لمصادر «الأخبار» وعوائل الشهداء وأبناء البلدة، بضلوعه في مجزرتين من المجازر التي وقعت في البلدة، وذلك بإبلاغه العدو عن تلك المواقع عبر رسم إشارات عليها، ما سبّب بمقتل 11 شخصاً، من بينهم جاره الصيدلي محمود خليفة المعروف بالحاج كاظم وعائلته التي انعدمت عن بكرة أبيها، والمؤلفة من زوجته ووالدها ووالدتها، وأطفاله الثلاثة.

جيران العميل، بائع السكاكر، كانوا قد استغربوا ثراءه المفاجئ
العلاقة التي كانت تربط القاتل بالجار القتيل، تلخّصها الحاجة أم عصام، والدة الشهيد بالعبارة الآتية «كان يتمسكن ليتمكّن». الحاجة الثكلى والمفجوعة بابنها وعائلته تكلّمت بصعوبة إلى «الأخبار»، تقاطعها دموع لا تفارق عينيها وغصة ترافق صوتها. فالفجيعة التي أصابتها جعلتها تجافي وسائل الإعلام، لكن بالرغم من ذلك فقد تكرّمت بالقليل من وقتها لتحدثنا عمّا تعرفه عن العميل «جار ابنها»، وهو ما زاد الحرقة في قلبها.
تقول السيدة إن «بضعة أمتار فقط تفصل بين منزل ابني ومنزل العميل»، كما تروي كيف أن هذا الأخير كان يتردد دائماً على ابنها الصيدلي «لمراقبة ضغط الدم ومعدّل السكري، كما كان يؤمن له بعض الأدوية مجاناً، ولم تتعدّ العلاقة أكثر من ذلك، إذ إن عائلته عديمة الاحتكاك مع المحيط». أمر تؤكده جارته الحاجة انتصار جفال، التي نجت من الموت بعدما دمر منزلها بالكامل: «لم نكن نلاحظ أو حتى نشعر بما كان يخطط له، وخصوصاً أن التواصل كان خجولا ونادراً بين عائلته وبقية الجيران»، معربةً عن مفاجأتها لدى سماع خبر إلقاء القبض عليه، إذ تذكر تماماً كيف أنه جاء إليها وقدم لها مواساته بعد دمار المنزل بسبب القصف الذي كان دليله، لا بل إنها تتذكر تماماً ما قاله لها وقتها، فقد قال «يا حرام شو هالدمار»!
لكن أمّ يوسف، وهي إحدى الجارات أيضاً، تشير إلى أنها كانت تلاحظ أن عائلة العميل ش. كانت ترخي دائماً ستائر شرفات المنزل، وهي لم تكن تعلم لماذا كانت تلك الستائر مسدلة دائماً، إلا أنها ترجح اليوم بعد كشف السر أن ذلك كان «ربما لستر ما يدور في الداخل»، علماً بأن زوجة العميل وشقيقه قد أطلق سراحهما بعدما أوقفا على ذمة التحقيق بجرم التعامل مع العدو. بيد أن أمّ يوسف لا تخفي ذهولها واندهاشها كغيرها من أبناء البلدة، إزاء الثراء الذي حلّ على عائلة العميل فجأة بعدما كانوا مدقعي الفقر. إذ كان يعمل بائعاً متجولاً للسكاكر، ليتحوّل بعدها إلى صاحب مؤسسة تجارية للخردة والحديد، وهو الدافع الرئيسي برأيها الذي أدى إلى التعامل مع العدو.
وبالرغم من انعزاله عن أبناء البلدة، تؤكد زينب عطا الله أن العميل كان «صاحب واجبات»، لمشاركته في جميع المناسبات التي أقيمت احتفاءً بذكرى استشهاد ضحاياه من جيرانه في البلدة. فهو فعلاً «قتل القتيل ومشى بجنازته». من هذا المنطلق، تؤكد عطا الله ضرورة إعدام العميل في ساحة البلدة ليكون عبرة لمن يعتبر. ولكن ماذا لو ضاع في «زوم التسوية»؟ يتساءل أبو عصام والد الشهيد الحاج كاظم بكثير من الخشية، وهو كثير العتب على الدولة التي «لم تقدم على خطوة مشجعة في هذا الإطار». عندها تصرخ الحاجة أم عصام كمن اشتعلت بقلبها نار لتوّها «إذا الدولة ما أخذت حقّي رح إقتلو بإيدي».