مايا ياغي

«صحيح أن الشيب أكل رأسي. بس حتى الآن، كلما ذهبت إلى شجرة السنديان في الصوان، أعود أربعين عاماً إلى الوراء، يوم انتظرتها طويلاً (يقصد زوجته) ولم تأتِ، فحفرت تاريخ ذاك اليوم على جذع الشجرة وأصبحت كلما التقيها أذكّرها به»، يروي الحاج أبو سمير حجازي. فلطالما كانت الأشجار ملتقى العشاق، تجمعهم معاً، تخلّد لحظاتهم، وتحفظ قصصهم. ففي زوطر مثلاً، لطالما اجتمعوا تحت أشجار الكينا في مزرعة الحمرا وعلى ضفاف نهر الليطاني. وفي بلدة يحمر، «كرم الزيتون ورا الحسينية هو ملتقى العشاق، يعني حوالى الساعة خمسة العصر عملك كزدورة بتلاقي كل اتنين تحت شجرة، كأنّ كل يوم هو يوم الحب عندهم»، كما يقول محمد علّيق. لكن، الزمن لم يعد هو الزمن، وأماكن اللقاء تغيّرت مع تغيّر أنماط العلاقة. فملتقى العشاق في النبطية أصبح عند كافيه أبو حسن أو كافيه تو تانغو، وحالياً، في مطعم دجاج وتوم الذي يسجل أعلى نسبة حضور للعشاق بحسب إحصائيات شباب النبطية. نسبة ترتفع أيام الخميس والجمعة والسبت والأحد، إذ تشهد النبطية نزوحاً من المناطق المجاورة. ليست المقاهي فقط هي ما حلّ محل الشجر، فهناك أيضاً كابينات التلفون التي يتحدث أحمد حلال عن تردده إلى إحداها في ساحة حبوش، «فحبيبتي تنتظرني كل يوم عند الرابعة عصراً. برد، شوب ما مهم، المهم إحكيها واسمع صوتها كل يوم». ولا تسلم هذه الكابينات، كما شجرات أيام زمان، من سوء الاستخدام، إذ إن العشاق يحفرون على حديدها أسماءهم وأسماء حبيباتهم وتواريخ مكالماتهم المميزة. وتنتشر هذه الظاهرة في العديد من المناطق، حتى أصبحت «شلّة زكور» في النبطية تراقب المتصلين في الكابينات، وتعلّق على كل من بان على ملامح وجهه أنه يتحدث مع حبيبته.