ميرا صيداوي

كلّ ما في ذاك المكان الغريب القريب منها يذكّرها بعائلتها الكبيرة. العائلة التي تتكاثر أيادي أطفالها على صحون الطعام، تعلو وتنخفض مسرعةً، حاملةً قطع الخبز المغمّسة بالأكل المطبوخ. تطبق جفون الصغار بعد الإفطار مباشرة. أما الكبار فيعاودون التضرع إلى الله. كان الموت بركة آنذاك وأبيض الرداء يمثّل حنيناً قديماً يلامس أحاسيسها.
عرفت المرأة أنّ تلك صور باتت مهترئة ولن تعود. حاولت إشعال سيجارتها مراراً، لكنها شعرت بالاختناق، فجسدها بات مجزّأً، فيما العرق يأكلها بشراهة. أحست بحدة الصمت والوحدة، فلبست أحد فساتينها المزركشة وتأملت في مرآتها قليلاً لتشعر بغصةً حاولت إخفاءها طويلاً. كانت الدموع تخنقها كعاصفة من الهواء ترمي بجنونها على كل تفاصيلها... حاولت تناسي دموعها والرحيل، فبكت رحيلها ومضت لتمرّ خطاها بطيئة بين الممرات في المدينة كلها. وصلت إلى عالمها الليلي. وقفت على باب الملهى وعيناها تتصنّعان الرغبة. تصاعدت حدة النقمة والقرف في نظراتها. أخفضت فستانها ليظهر صدرها مكشوفاً. صارت تحملق بالمارة، لتتصاعد ضحكاتها عالياً والألم يعتصر ماضيها، وذاك الأبيض القديم.
أمسكت بأحد الرجال ومضت معه إلى الداخل لتمضي معها صورة الجد مرتدياً الأبيض يحملها على رأسه وتضيع أناملها في الفضاء، فتتعالى ضحكاتها في حواري المدينة حرةً، وحيدة...