strong>عبد العلي حامي الدين *

هل نجح المغرب في تنظيم انتخابات شفافة ونزيهة وفق المعايير الديموقراطية المعروفة؟ هل يسمح لنا المناخ العام الذي أُجريت فيه الانتخابات الأخيرة بالقول بأن المغرب نجح في امتحان الديموقراطية المحلية؟ هل يمكن القول بأن المجالس التي تتألف حالياً تمثّل الخريطة السياسية الحقيقية للشعب المغربي؟ هل نسبة المشاركة المعلن عنها رسمياً هي نسبة حقيقية، أم أن الرقم 52 في المئة يبقى رقماً تضليلياً ما دام أكثر من 6 ملايين مغربي لم يسجلوا في اللوائح الانتخابية أصلاً، ونحو 50 في المئة من المسجلين لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع؟ ألم تكن الشروط القانونية المؤطَّرة لهذه الاستحقاقات محكومة بهاجس الضبط والتحكم في إرادة المواطن؟ هل كانت الشروط السياسية تتنبّأ بوجود إرادة سياسية لتنظيم انتخابات نزيهة وشفافة، أم أن إرادة التشويش وخلط الأوراق تغلبت في النهاية ليخرج «الحزب الأغلبي» من جلباب الدولة ويكرس استمرارية العبث بالحياة الحزبية والسياسية؟ هل خرجنا من القواعد التي حكمت تاريخ الانتخابات المغربية، أم أننا بصدد بلورة سيناريوات تراجعية تزيد من تكريس العبث السياسي؟


الدولة حريصة على الشكل الديموقراطي ولا تريد مفاجآت، فلجأت إلى وضع قواعد على مقاس خدمة الاستمرارية
نتائج انتخابات 12 حزيران/ يونيو المنصرم تثير الكثير من التساؤلات عن مستقبل الديموقراطية في المغرب، وعن مستقبل الأحزاب السياسية، وعن مستقبل النظام السياسي المغربي. فقد كرس حصول حزب سياسي لم يمض على تأسيسه سوى ثلاثة أشهر على المرتبة الأولى، مقولة «الحزب الأغلبي» التي يوظفها النظام السياسي عشية كل استحقاقات انتخابية، وبالتالي تكريس المزيد من مظاهر التخلف السياسي التي لا تسمح للمغاربة بولوج نادي الأنظمة الديموقراطية، ومن ثم المزيد من الابتعاد عن السياسة وعن منطق المشاركة.
تاريخ الانتخابات في المغرب ليس تاريخاً للتنافس السياسي بين مشاريع وبرامج سياسية مختلفة، بل كانت الدولة حاضرة دائماً في مختلف مراحل العملية الانتخابية. فبعد عقود من التدخل المباشر لتزوير إرادة الناخبين، لم تتغير استراتيجية الدولة من الناحية العملية. فهي ما زالت تمثّل طرفاً أساسياً في العملية الانتخابية، لكنها أضحت تتدخل بأسلوب مختلف، من طريق استراتيجية التحكم عن بعد، وذلك لتتجنب قانون المفاجأة الذي يحكم المنافسة الانتخابية في جميع الأنظمة الديموقراطية، وللحيلولة دون تبلور مؤسسات قوية تعكس تمثيلية شعبية حقيقية، وتستطيع اتخاذ قرارات فعلية مسنودة بالشرعية الديموقراطية. فرغم جميع خطابات النزاهة والشفافية وتخليق الحياة العامة، ما زالت الانتخابات المغربية محكومة بمنطق الأعيان والمال وتواطؤ الإدارة المتمثل في غضّ الطرف عن الخروق ودعم بعض المرشحين والهندسة القبْلية للنتائج.
في الدول الديموقراطية، نزاهة الانتخابات مرتبطة أيضاً بصدقية النخب السياسية المتنافسة وبقدرتها على ترشيح عناصر تحمل برنامجاً سياسياً، وتمثّل المذهب السياسي للحزب الذي تحمل رمزه الانتخابي.
من أخطر الملاحظات على الانتخابات الأخيرة، استسلام معظم الأحزاب السياسية، بما فيها الأحزاب الوطنية العريقة، لمنطق المقعد أولاً بغضّ النظر عن الوسائل المعتمدة لتحصيل المقعد. وهكذا تخلت عن وظيفتها السياسية والأخلاقية المفترضة في الرقي بوعي المواطن والنهوض به عوض الانجرار إلى دركات الجهل والتخلف وتكريس قيم الجشع والانتهازية والرشوة الانتخابية.
يُضاف إلى ذلك حجم الأموال التي أغرقت بها الحملات الانتخابية، والتي تطرح العديد من الأسئلة عن مصادرها ومدى قدرة الأدوات والآليات القانونية المتوافرة حالياً على مراقبة مسالك المال الانتخابي وفك ارتباطه المشبوه بأموال المخدرات والتهريب والاتجار في الممنوعات، وعلاقته ببعض الصناديق السوداء التي يشاع فتحها في الانتخابات الأخيرة أمام الحزب الأغلبي!
في بلادنا، لا تريد الدولة مفاجآت، وفي الوقت نفسه تحرص على صورة الشكل الديموقراطي! فما كان من مهندسي العملية الانتخابية إلا اللجوء إلى وضع قواعد على مقاس خدمة الاستمرارية. كيف ذلك؟
لقد جرت الانتخابات البلدية الأخيرة في ظل لوائح انتخابية مشكوك في شفافيتها، بعدما «عجزت» الدولة عن المراجعة الجذرية للوائح الانتخابية.
وأصرت الدولة على التصويت ببطاقة الناخب التي تمثّل مدخلاً للتلاعب بأصوات المواطنين بعدما تراجعت عن وعودها التي قدمتها سنة 2002 باعتماد بطاقة التعريف الوطنية في الانتخابات التشريعية لعام 2007، وها قد جاءت 2009 ونجحت الدولة في إعداد بطاقة التعريف العضوية (البيوميترية)، بينما «فشلت» في تعميم بطاقة التعريف الوطنية على عموم الناخبين المغاربة!
و«نجحت» الدولة في فرض تقطيع انتخابي لا يستجيب لأبسط المعايير المتعارف عليها، وأبرزها الإكثار من البلديات القروية التي لا تتوافر على شروط الحياة، وإغراق جسم المستشارين بالعالم القروي بما يؤدي إلى عدم التوازن في التمثيلية، إذ يمثل 55% من سكان العالم الحضري نحو 18% فقط من المستشارين، فيما يمثل 82% من المستشارين 45% من سكان العالم القروي، وهو ما يعني عدم تناسب عدد المقاعد المتنافس عليها بعدد المسجلين في اللوائح الانتخابية!
إن هذا الخلل في التوازن هو بالضبط ما يريده من يتحكمون عن بعد في نتائج الانتخابات قبل انطلاقها، لأنهم يدركون أنهم بهذا الإجراء، يستطيعون تمكين الإدارة من التحكم في انتخابات مجالس العمالات والجهات وانتخاب ثلاثة أخماس مجلس المستشارين.
كذلك إنّ اعتماد نمط الاقتراع باللائحة في 92 دائرة فقط (تلك التي يتجاوز عدد ناخبيها 35 ألف ناخب)، من أصل أزيد من 15000 دائرة، يعني فسح المجال أمام مفسدي الانتخابات لاستثمار مساوئ النظام الفردي، وعلى رأسها سهولة استعمال المال للتأثير في أصوات الناخبين، وسهولة توظيف المعطى القبلي والعشائري في العملية الانتخابية.
وفي الوقت الذي يشتكي فيه الجميع من كثرة الأحزاب التي لا تعكس في جوهرها تعددية حقيقية، حرصت الحكومة على رفض كل المقترحات الرامية إلى اعتماد عتبة تمثيل محترمة تسمح بفرز قوى سياسية كبرى وتشجع الأحزاب الصغيرة على التكتّل في أقطاب سياسية واضحة على غرار الأنظمة الانتخابية الديموقراطية (عتبة التمثيل في بريطانيا وتركيا وغيرها 10% واكتفت الحكومة المغربية بعتبة 6%) وهي ليست كافية لتجميع أصوات الناخبين في مشاريع سياسية قوية، وخصوصاً إذا علمنا أن العديد من الأحزاب السياسية أضحت مرتهنة لنظام الأعيان المحليين الذين يفتقرون إلى امتداد سياسي وطني ولا يعبّرون عن مشروع سياسي حقيقي بقدر ما يعبّرون عن مصالح فردية أو فئوية ضيقة سرعان ما تتحول إلى بلديات مشتتة تعكس خريطة سياسية مبلقنة.
إنّ أعطاب النظام الانتخابي الحالي جعلتنا بالضرورة أمام انتخابات ناقصة النزاهة والشفافية، وبدون حماسة شعبية نحن في أمسّ الحاجة إليها لزرع بذور الأمل لدى المواطن. ومن ثم، فإن حملات الدعاية وتشجيع المواطنين ظلت ضعيفة الجدوى، لأن الدولة لم تقدم ما يكفي من الإشارات التي تضفي على العملية الانتخابية جاذبية وصدقية حقيقية، وتجعلها محطة للتنافس الديموقراطي الحقيقي.
إنّ إرادة القطيعة مع نموذج «الديموقراطية المهندسة» تتطلب مراجعة حقيقية لجميع الأدوات التي تندرج ضمن الأعمال التمهيدية للاقتراع، من إلغاء اللوائح الانتخابية الحالية ووضع لوائح جديدة مع اعتماد التسجيل الأوتوماتيكي للناخبين على أساس البطاقة الوطنية، وتعميم نمط الاقتراع باللائحة على كل الدوائر البلدية، وفي الانتخابات المهنية، وجعله خاضعاً لأقوى المعدلات مع اعتماد عتبة 10%، ومراجعة نظام تدبير الانتخابات بما يحقق شروط النزاهة، وذلك بإحداث هيئة مستقلة عن الإدارة لتدبير الانتخابات تحت إشراف القضاء، وتعزيز ضمانات حياد الإدارة في تدبير العملية الانتخابية، ووضع تقطيع انتخابي جديد يستجيب للمعايير الكونية المتعارف عليها لضمان تمثيلية ديموقراطية حقيقية ويستجيب لضرورة تقليص الفوارق الكبيرة بين نسب التمثيل بين الجماعات الحضرية والقروية.
نعم، إنّ تحقيق الديموقراطية الحقيقية يمرّ عبر نضال مستمر لتطوير الترسانة القانونية لمحاصرة الفساد والاقتراب من إرادة الناخب.
* عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية المغربي