صوصي سركيسيان

انتهت الانتخابات النيابية، وما زالت التحليلات السياسية مستمرة: هناك من شكّك في صدقيتها، وآخرون أكدوا على نزاهتها، والكل أشاد بجهود وزير الداخلية، مستثنين أو متناسين العراقيل والخروق المتعمّدة. ولكن، رغم كل ذلك، ما زال اللبنانيون ـــــ على اختلاف ميولهم واتجاهاتهم ـــــ يعيشون أزمة الديموقراطية، يبحثون عن حلم دولة القانون والمؤسسات، رافضين التعصب الطائفي والنعرات الدينية. وإذ بنا نفاجأ بأن آفة سياسية خطيرة، ومن الدرجة الأولى قد دخلت إلى المجلس النيابي، مسلّحة بتعصّب ديني لا مثيل له، يتحكّم في عقول البعض وقلوبهم، حتى إننا شعرنا في وقت من الأوقات بأن هؤلاء سوف يحكمون بلاداً وثنية، يقطنها أناس لا يعرفون الله ولا يملكون المعرفة، وكأنهم هم «الملائكة» المرسلون، حماة الديموقراطية والحريات.
أما ما فاتهم فهو، أن الديموقراطية تعني حكم الشعب للشعب وبالشعب، والمشاركة في الحكم، ونشر المساواة بين المواطنين من دون تمييز، وتأمين الحريات، وتحقيق العدالة الاجتماعية. وأين نحن من كل هذا؟
الإشكالية المطروحة في هذا الإطار هي عدم الاطّلاع على الدستور اللبناني من جانب السياسيين، وقد تجسّد ذلك في كلام عبّر عنه بعض الجهلة، في الآونة الأخيرة، مفاده أن الأرمن ليسوا مسيحيّين، ولا يمثلون طائفة من الطوائف اللبنانية الأساسية. وبذلك يكونون قد ناقضوا كل المفاهيم الديموقراطية، وأسقطوا عن وجوههم الأقنعة، لتظهر حقيقة مآربهم وانتماءاتهم المزيفة لوطنهم.
وقد ذهب البعض الآخر الى أبعد من ذلك، مقترحاً ألّا تشارك كل الأحزاب في الانتخابات، أو عزلهم بصناديقهم الخاصة بطوائفهم. هكذا يفهمون الديموقراطية الحقّة التي يتغنّون بها أمام المحافل الدولية. بالطبع، لا نستغرب هذه التصريحات، لأننا متأكدون أن ثقافة الثقافة تنقصهم، وقد اجتازوا الخط الأحمر في اتهاماتهم، وهم يعرفون أن الشعب الذي قاوم الأتراك لا تهزّه سخافات التخلف والجبن والجهل. وانطلاقاً مما ذُكر، وجدنا من الضرورة إلقاء الضوء على بعض النقاط علّنا بذلك نسهم في إخراجهم من جهلهم وأفكارهم النتنة، هم الذين يدّعون الاننفتاح والتقدم:
أولاً: اعتنق الأرمن الدين المسيحي منذ نهاية القرن الميلادي الثالث، وهم يفتخرون بأنهم أول من جعل المسيحية ديناً رسمياً لدولتهم عام (301). هذه الدولة تعرّضت للاجتياح على يد الإمبراطوريات الكبرى في المنطقة، قبل أن تصبح تحت حكم سلالة الباقرادونيين، القوة الإقليمية العظمى التي طورت ثقافة جديدة لامعة.
ثانياً: الهوية اللبنانية هي حق مشروع لكل مواطن لبناني لأي طائفة انتمى أو دين اعتنقه. وقد كتب الشيخ محمد سويد في هذا الإطار بأن الانتداب الفرنسي قد منح الأرمن الجنسية اللبنانية لأن هذه المعادلة العددية ضرورية بين المسلمين والمسيحيين، معتبراً ذلك لمصلحة تطلعات المسيحيين ورغباتهم.
واللافت هو أنّ «الوجود الأرمني» بات لدى الجماعات المذكورة مشكلة نفسية يعانونها، لذا عليهم إيجاد المعالجات السريعة، وخاصة أن الأرمن سيبقون أصحاب القرار الذاتي، مبادئهم ثابتة، لا يساقون كالخراف، متمسكون ومؤمنون بصيغة التعايش والتعاون بين الطوائف، من دون فقدان خصوصيتهم. وسوف يعملون دائماً لنشر السلام بين الأطراف المتنازعة في لبنان كما في الأيام السابقة. ونحن ندرك أن هذه الأمور لا يتحمّلها من يستبدّ في الحكم، ويرفض مبدأ الشراكة والديموقراطية. فليكن معلوماً لهؤلاء بأن الأرمن ليسوا بجالية.
ثالثاً: «الحياة انتصار لأقوياء النفوس لا للضعفاء». جملة أطلقها المعلم الشهيد كمال جنبلاط. لم يكن القصد من ورائها شعباً معيناً ولا أمة دون غيرها من الأمم، بل يصح اعتبارها «دستوراً من دساتير الإنسانية»، لأنها تتعلق بالإنسان والإنسانية في كل زمان ومكان.
وهذا ما ينطبق على الشعب الأرمني، ومناصري حزب «الطاشناق» الذين عملوا جاهدين وما زالوا لتبقى كرامة الإنسان اللبناني فوق كل اعتبار، بعيداً عن المال الانتخابي والإغراءات والكلمات الرنانة التي تمدح وتشيد بوفاء هؤلاء، ثم تنعتهم بالخونة عندما لا يتناسب ذلك مع مصالحهم الشخصية الضيقة وخاصة الانتخابية منها. وأخيراً، نذكّر الحكام في بلادنا بأنهم موظفون لدى الشعب اللبناني، واستناداً إلى هذه الحقيقة، هم ملزمون بتلبية حاجات المواطنين فلا يسمح لهم بإهانتهم.