عمر نشّابة

«السما زرقا» رغم الدخان الأسود الكثيف الذي ما زال يتصاعد من بقايا يوم حاقد للعشّاق. «السما زرقا» رغم سكر أبناء العاصمة ببحر آلام عين المريسة. «السما زرقا» رغم وهم الاختناق بحزام برتقالي يلفّ الضواحي ويغطي الجبال. «السما زرقا» رغم الخشية من خطر اجتياح الفرس والتهديد بعودة رغبات أحفاد الأمويين إلى أطلال عنجر. «السما زرقا» رغم انحسار الذاكرة وارتفاع نسبة التفضيل في العفو عمّا حلّ ومضى، رغم الأمهات والأولاد والأحفاد الذين ما زالوا ينتظرون عودة آلاف المفقودين والمخطوفين. «السما زرقا» رغم أحلام بعض سكان عوكر بالسلام وتناسيهم عدالته، ورغم شوق بعض أمراء قصر الصنوبر إلى عصر الانتداب. «السما زرقا» رغم الكذب والتضليل والصراخ والعويل.
«السما زرقا» والبحر أزرق لكن مهلاً... ففي الأزرق الكبير أسماك بكلّ ألوان الطيف. لا حدود للخيارات ولا قيود عليها.
واهمٌ من يعتقد أن البيروتيين الطيبين حسموا خيارهم بالكامل ولو تفوّقت العواطف على الحسابات حيناً وامتلأت صناديق الاقتراع بأسماء من وعد بحمايتهم من الجهل والفقر والارتهان أحياناً.
هي بيروت التي يسقط بعض منها سهواً في حسابات ملوك الصحراء. ويتحكّم في خيال دبلوماسيين غربيين دخولهم بيوت الأيتام بزيّ الأمّهات من باب الصراعات المذهبية والطائفية.
وفي هذه الأثناء يشهد شارع مدام كوري زحمة حافلات خانقة، بينها ما يوصل الطلاب إلى المدرسة الفرنسية، وأخرى تنقل الآلاف إلى قصر قريطم. قد تمطر في رأس بيروت غداً أو بعد غد. المطر خير وبركة. لكن بعض أبناء المدينة يستشعرون مرارة في رطوبة الصيف هذا العام. إذ تأخر ما وُعدوا به قليلاً. لكن لا مجال للتشكيك في الوفاء لنجل الرئيس الشهيد ولا يمكن انقلاب السحر على الساحر أو انزعاج الموظّف من كرَم المدير، إنما في المستقبل احتمالات عديدة لا يتجاهلها البيروتيون تماماً. لكن لا حيرة تشغلهم ولا ضياع يقلقهم. إنهم يبتسمون بهدوء. ولعيونك. اعترف الزعيم أخيراً بأخطاء ارتُكبت وبعجز في الرؤية. لا بأس، فهذه الزهرة تتفتّح ألف مرّة للقريب بعدما تفتّحت آلاف المرّات للغريب.