أمس، تكرر مشهد الانتخابات. فبالنسبة إلى التلامذة، تعدّ نتائج 18 حزيران مصيرية أيضاً. هكذا، مرّ يوم 18 حزيران، كالسابع منه، بهدوء، وسط رضى التلامذة والمراقبين، وتنويه الكثيرين منهم بالبطاقات الممغنطة التي دشّنها تلامذة العلوم العامة أمس، في إطار مكننة الامتحانات


رنا حايك ـ ديما شريف
كان الشارع المؤدي إلى مدرسة رأس النبع الرسمية الأولى للبنات، حيث يُمتحن تلامذة فرع العلوم العامة، هادئاً كما كانت الحال داخل المركز. أمام المدرسة تجمّع بعض الأهالي ينتظرون أي إشارة تنبئهم بوضع أولادهم. إحدى الأمهات أوصلت ابنتها صباحاً وبقيت جالسة أمام المدرسة تنتظر خروجها، «ما طاوعني قلبي روح عالبيت»، تقول. أخرى أخذت إجازة من عملها طيلة فترة الامتحانات. يخرج أحد التلامذة باكراً قبل موعد تسليم الأوراق، فيهجمون عليه، ويسألونه عن المسابقة. «فريد معك بالصف؟» تسأله إحدى السيدات. لا يعرف الشاب من هو فريد. كذلك لا يعرف من هي ريمي التي أخذه والدها جانباً، وبدأ يصف له ملابسها ليتعرّف عليها ويخبره كيف عملت!
مدير المركز، عبد المولى شهاب الدين، أكد أنّه لم يقع أي حادث يعكّر جو الامتحان الهادئ. ومن أصل 198 تلميذاً غاب 49 يشك رئيس المركز في أنّهم قدموا البكالوريا الفرنسية. لذا، لم يحضروا. وقال شهاب الدين إنّ التلامذة كلهم منضبطون، ولم يحاول أحدهم الغش، عازياً ذلك إلى كونهم من مدارس مشهود لها بالكفاءة والمستوى الأكاديمي العالي مثل الفرير، الحكمة، الآي سي وجميل رواس. من ناحية أخرى، أشاد المراقبون داخل المركز باستخدام البطاقة الممغنطة التي سهّلت عليهم وعلى التلامذة عملهم لكونها تحتوي كلّ المعلومات، حتى مكان جلوس التلميذ داخل القاعة.
الهدوء ذاته كان داخل صفوف الامتحان، كما أكد التلامذة. فلم تسجّل أي مخالفات في ما عدا «اهتمام بعض المراقبين الزائد بكام تلميذ»، كما قالت إحدى الممتحنات.
الجو كان مماثلاً أمام ثانوية رأس النبع الرسمية للبنين، حيث تجمّع التلامذة يتبادلون الإجابات. بعضهم قال إنّ أحد الأسئلة كان طويلاً وأخذ مجهوداً كبيراً لحله. «كيف كانوا المراقبين؟»، تسأله والدته. «كتير مناح، بس ما خلّوني فوت عالحمام»، يجيبها ضاحكاً.
في ثانويتي رمل الظريف والمير أرسلان، كان صباح امتحانات فرع علوم الحياة هادئاً أيضاً. المشهد ذاته يتكرّر. أمهات ينتظرن في بقعة الفيء الصغيرة أمام البوابات الحديدية. أمام مركز المير أرسلان، تشغّل إحداهن الراديو في جهازها الخلوي على أغنية نجاة الصغيرة «شكل تاني حبّك إنت»، يتسايرن مع عناصر الدرك، ويردّدن دعوات النجاح لأبنائهن.
«يُمتحن هنا 480 طالباً، موزعون على 24 غرفة، في كل واحدة منها مراقبان، يضاف إليهما ستة احتياط»، كما تشرح إيمان قاروط، رئيسة مركز رمل الظريف، التي عبّرت عن مفاجأتها بهدوء التلامذة. هدوء ربما كافأ به التلامذة المراقبين على اهتمامهم بهم، إذ «عمّمنا على جميع المراقبين توجّهات بعدم إزعاج التلامذة، وبتأمين الظروف الأفضل لهم خلال الامتحان»، كما تقول قاروط مضيفة: «كلنا أمهات بالنهاية». بدا المراقبون أمس كأنهم نجوم الامتحانات الرسمية بدل التلامذة. فقد مثّلوا هاجس الأمهات الأول: «كيف المراقبين؟ مناح؟».
هاجس برّره محمد الإسكندراني، رئيس مركز المير أرسلان، الذي امتُحن فيه 324 تلميذاً، بأن الأهالي «بدّن ايانا نسمح بالغش والنقل»، بينما أصرّت إحداهن في الخارج على التأكيد «ما بدنا اياهن يغششوهن، بدنا بس يضحكوا بوشّن تيريحولن أعصابن». فقد حرص اسكندراني على ذلك، مطبّقاً تعميم وزارة التربية الذي علّقت نسخة منه في المركز، وفيها سرد لحقوق التلميذ وواجباته. وبالفعل، نوّه التلامذة وهم خارجون بالمناخ الهادئ الذي أمّنه لهم المراقبون في الداخل، وأسلوب المراقبة المرن الذي اتبعوه. مناخ كان صحياً لولا تلك المراقِبة التي «دخّنت خمس سواجير بالغرفة» كما قال أحد الممتحنين في رمل الظريف، أو ذلك الأستاذ الذي قال لنور «فيكي تنقلي بس ما تبتسمي»، أو دخول أحد المراقبين المتكرّر للتعرّف إلى أحد التلاميذ «اللي موصّى فيه» كما أفاد يحيى. شهادات ألقيت وسط «هرج ومرج» ما بعد الامتحان، وبالتالي قد لا تتخطى كونها ممازحة، إلا أن ما يعتدّ به، كان إجماع التلامذة في المركزين على أن الامتحان جيد، و«مش صعب كتير»، مع تحفّظ تلامذة رمل الظريف على صغر المقاعد، وعلى الحرّ الذي أزعجهم.
أما في مدارس ضاحية بيروت الجنوبية (ملاك عواد)، فقد أبدى رئيس البرج الرسمية الأولى، خليل مزهر، ارتياحه لعدم وجود حالات غش، فيما أشاد بتقنية المكننة. وفي البرج الرسمية الثانية، قدّم 151 طالب علوم عامة امتحان الرياضيات وسط جوّ لم يعكّر صفوه سوى طلاب أرادوا الانسحاب من الامتحان قبل انقضاء نصف الوقت. كان أحدهم، أحمد، قد أتى إلى الامتحانات رغم مرضه، لتسليم ورقة بيضاء لتتاح له المشاركة في الدورة الثانية. أما في ثانوية البرج الرابعة، فقد كانت الشكوى مختلفة: «غياب 9 مراقبين، لكن جرى تدارك الوضع» على حد قول رئيس المركز يوسف أبو طالع، الذي طالب «بالتشديد على الأساتذة» فيما نوّه بالـ335 طالباً «المنتظمين طوعاً» على حد قوله. في صفوف طويلة تحاكي صفوف المقترعين خارج مراكز الاقتراع، وقف الأهل ينتظرون أبناءهم الذين خرجوا يتنفّسون الصعداء مردّدين: «ارتحنا من الهم الأكبر: الرياضيات». أما طلاب علوم الحياة، فقد وجدوا مسابقة البيولوجي سهلة، ومسابقة الجغرافيا «سخيفة»، فيما تمنّوا أن «يضلّ الوضع هيك» خلال الأيام التالية.



البطاقات الممكننة ضيف هذه الدورة

كانت المكننة الحدث الأبرز. ومع أنها تجرّب للمرة الأولى، ولفرع العلوم العامة حصراً، لسبب عملاني يتعلّق بقلة تلامذته، فإن البطاقات الممكننة أثارت بعض الجدل. فبينما أشاد بعض المراقبين بها، تحفّظ البعض الآخر عليها.
«في أكثر من مادتين في النهار، بيهلك المراقب، وخاصة أن أكثرية المراقبين كبار في السن»، تقول إحداهن، لتشرح زميلتها: «بدا وقت كثير»، مفضّلة الطريقة القديمة.