سباق مع الزمن يجعل عام 2009 عام إنقاذ أو استكمال القضاء على ما بقي من غطاء أخضر في لبنان. مشاريع كثيرة قيد التنفيذ قيمتها الإجمالية 5.5 ملايين دولار. ومعدات كثيرة قيد الشراء تبلغ قيمتها 16 مليون دولار. أما الأهم، فاستراتيجية وطنية لإدارة حرائق الغابات في لبنان أعدّتها جمعية، لتتبنّاها دولة وتنفّذها وزارات لم تنسّق يوماً في ما بينها


بسام القنطار
يصعب التكهن بمدى جهوزية لبنان لمواجهة حرائق الغابات التي من المحتوم أن تندلع في مختلف المناطق اللبنانية خلال موسم حرائق 2009 الذي سيمتد خلال فصلَي الصيف والخريف، يصعب التكهن بهذا رغم أنه باتت لدينا دراسة تقع في 55 صفحة عن «الاستراتيجية الوطنية لإدارة حرائق الغابات في لبنان». لكنّ هذه الدراسة التي توصي بآليات تنسيقية بين مختلف الوزارات المعنية، والتي وعد الرئيس فؤاد السنيورة بعرضها على مجلس الوزراء قبيل الانتخابات النيابية، يصعب أن تدخل حيز التنفيذ هذا العام. فالوزراء الحاليّون، إضافةً إلى انشغالهم بالانتخابات النيابية، استعجلوا القطف السريع في مختلف المشاريع التي نفّذوها، فيما تحتاج هذه الاستراتيجية إلى خطط طويلة الأمد، عدا تحدّي تأمين الموارد المادية والفنية الضرورية لتنفيذها، واحتضان المجتمع المحلي لها، مما يضمن استدامة نتائجها على المدى البعيد.
وكان الرئيس فؤاد السنيورة قد رعى لقاءً حوارياً في السرايا الكبيرة، أول من أمس، بشأن هذه الاستراتيجية التي أعدّتها جمعية الثروة الحرجية والتنمية بالشراكة مع عدد من الجهات اللبنانية والدولية.
مديرة الجمعية سوسن بو فخر الدين قالت لـ«الأخبار» إن هذه الاستراتيجية طُوّرت بناءً على الحاجات التي حُدّدت في بداية عمل اللجنة الوطنية التي ألّفها دولة رئيس مجلس الوزراء إثر حرائق عام 2007، والتي ضمّت وزارات البيئة والداخلية والبلديات والزراعة والدفاع ومجلس الإنماء والإعمار والهيئة العليا للإغاثة ومركز الأبحاث الزراعية وجمعية الثروة الحرجية والتنمية، حيث استمر العمل على تطويرها حوالى سنة، وذلك من ضمن مشروع موّله الاتحاد الأوروبي ودعمته الوكالة الإسبانية للتنمية عبر مشاركة خبراء من الاتحاد العالمي لحماية الطبيعة (IUCN) في إسبانيا.
وكانت وزارة البيئة قد أعدّت عام 2001 خطة عمل لمكافحة حرائق الغابات وافق عليها مجلس الوزراء عام 2002. لكن هذه الخطة لم تطبّق بحجة عدم تحويل الاعتمادات، ولقد تقاذفت الوزارات الأربع المعنيّة (البيئة، الزراعة، الداخلية، والدفاع) ومجلس الإنماء والإعمار المسؤولية عن توفير هذه الاعتمادات، علماً بأن تلزيم الأشغال التي تضمّنتها الخطة، كان يمكن أن يسهم إسهاماً كبيراً، في تحاشي كوارث الحرائق التي ضربت لبنان، والتي كان أضخمها في عام 2007.
إزاء ذلك يصبح من البديهي طرح التساؤلات نفسها عن هذه الاستراتيجة الجديدة. من سينفّذها؟ ومن سيؤمّن الموارد اللازمة لذلك؟ ومن سيضمن استمراريتها؟ وما هو دور كل الأفرقاء المعنيين المذكورين فيها من وزارات وإدارات رسمية وبلديات وهيئات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية؟
وتنقسم الاستراتيجية إلى محاور خمسة هي: الأبحاث والمعلومات، تقليص الخطر عبر الوقاية، زيادة الجهوزية، زيادة فعالية الاستجابة لدى حدوث الحرائق، وإعادة التأهيل.
وتشير بو فخر الدين إلى أن تنفيذ الاستراتيجية وتأمين الموارد المادية اللازمة لها قد بدآ فعلاً. إذ جرى خلال هذا العام تأمين بعض الحاجات الأساسية، كالتدريب وتأمين المعدات اليدوية وإنشاء غرفة العمليات المشتركة لإدارة الحرائق مع الدفاع المدني، وتدريب قوى الأمن الداخلي على التحقيق في الحرائق، إضافةً إلى تدريب الجيش وحراس الأحراج والمتطوعين على تقنيات إدارة ومكافحة حرائق الغابات، وسبل التنسيق والتعاون، وذلك من خلال المشاريع التي تنفّذها الجمعية، والتي تبلغ قيمتها الإجمالية حوالى 5.50 ملايين دولار.
البارز أيضاً هذا العام مشاركة القطاع الخاص والهيئات الاقتصادية في تأمين التجهيزات للدفاع المدني والجيش، وذلك من خلال مبادرة أطلقها وزير الداخلية والبلديات زياد بارود عبر «جمعية أخضر دايم»، التي من خلالها ستؤمّن طوافات وسيارات مختصة لمكافحة حرائق الغابات، بعدما جمع مبلغ 16 مليون دولار لأجل ذلك.
ولقد علمت «الأخبار» أن جمعية «أخضر دايم» وقّعت عقود شراء طوافتين لمصلحة الدولة اللبنانية، وحاولت «الأخبار» الاستفهام من مكتب الوزير بارود عن الجهة التي باعت هاتين الطائرتين ومواصفاتهما وجهوزيتهما، حيث إن ذلك سيُعلن عبر حفل يقام فور وصول الطوافتين إلى مطار بيروت، إلا أن المسؤول عن الملف لم يُجب على هاتفه.
أما بخصوص سيارات الإطفاء الصغيرة الحجم، التي تصلح للطرقات الضيقة والزراعية وتُستخدم للتدخل السريع في إخماد الحرائق، فمن غير المتوقع أن تكون قريباً في تصرف الدفاع المدني والبلديات التي تقع في نطاقها غابات مهددة بالحرائق، لأن عملية شرائها لا تزال في طور استدراج العروض ودراستها.
ويبقى التحدي الأهم أمام تطبيق الاستراتيجية قدرة مديرية الدفاع المدني التي تضم 2000 متطوع موزّعين على 220 مركزاً في مختلف المناطق اللبنانية، فيما الحاجة الفعلية التي توصي بها الاستراتيجية هي ضعف هذا العدد. ولقد أعلن بارود في أكثر من مناسبة أنه يسعى إلى تحسين الوضع الوظيفي والعملي للدفاع المدني، الذي يعدّ الجهاز الأساسي لمكافحة الحرائق والركن الأساس في تطبيق الاستراتيجية الوطنية لإدارة حرائق الغابات. لكن هذه الوعود لم تتحقّق على أرض الواقع بعد.