حسن قنديل

قبل ظهور البشر، كانت الفضائل والرذائل تطوف العالم معاً، شاعرة بالملل الشديد. ذات يوم، وكحلّ لمشكلة الملل المستعصية، اقترح الإبداع لعبة أسماها «الغميضة». رحّب الجميع بالفكرة. قال الجنون: «سأغمض عيني وأبدأ بالعد بينما تختبئون».
بدأت الفضائل والرذائل بالاختباء. وجدت الرقة مكاناً لنفسها فوق القمر.
وأخفت الخيانة نفسها في كومة زبالة. الولع سبح بين الغيوم. ومضى الشوق إلى باطن الأرض. وعندما صرخ الكذب: «سأخفي نفسي تحت الحجارة»، كان الجنون قد وصل بالعد إلى الرقم ثمانين، بينما كانت كل الفضائل والرذائل قد أتمّت اختباءها، باستثناء الحب. كعادته، لم يكن صاحب قرار. وكعادته عجز عن التخفي. مع وصول الجنون إلى المئة، لم يكن أمام الحب سوى القفز وسط أجمة من الورد والاختفاء في داخلها.
كان الكسل أول من انكشف لأنه لم يبذل أي جهد في إخفاء نفسه. ثم ظهرت الرقّة المختفية في القمر. وبعدها خرج الكذب من قاع البحيرة مقطوع النفس. وجدهم الجنون جميعاً، واحداً تلو الآخر، في ما عدا الحب. اقترب الحسد من الجنون، وهمس في أذنه: «انظر بين الورد».
تناول الجنون ما يشبه الرمح وبدأ في طعن شجيرة الورد بضربات عشوائية لم يوقفها إلا عند سماعه صوت بكاء يمزّق القلوب، تلاه ظهور الحب دامياً من بين الورود. «يا إلهي ماذا فعلت بك؟»، صاح الجنون بندم بعد اكتشافه أنه قد أفقد الحب بصره.
«ماذا أفعل كي أصحح خطإي؟»، قال له. فأجابه الحب: «كن دليلي».
وهذا ما كان. ومذاك، والحب أعمى يقوده الجنون.