عبد الأمير الركابي *

لدينا مشكلة صعبة للغاية، فالعراق مع تعقيدات أوضاعه الاستثنائية، يعاني تدنّياً في اختبار قضايا أصبحت أساسية ومتداولة في علم الاجتماع السياسي منذ عقود. مثلاً، واجه لبنان قضية الطائفية، وتصدى لها منذ الستينات، وقد أسهم اليسار وغيره في ذلك. وفي مجرى الصراع الذي شهده بلد قائم كنظام على «الطائفية»، دخلت الاختبارات والآراء في التضاعيف السياسية والفكرية للبلاد، وتحولت عملياً إلى منجز مختبر، بغض النظر عن مصادره الأكاديمية والمنهجية. عالج العالم العربي هذه المسألة، ولو بمستويات أقل حضوراً في حياة بعض البلدان، ودخل موضوع «الطائفية»، في الاهتمامات الفكرية في أكثر من مكان منه، بما في ذلك مصر. وتلك التأسيسات، من المفترض أو المتوقع أن تتحول إلى مصادر أولية اليوم، بما أن تحديات الطائفية قد طغت في الآونة الأخيرة على المشهد السياسي والاجتماعي لمواضع مختلفة من العالم العربي. وقد يكون هذا واحداً من أهم ما يجب أن تتنبّه إليه مراكز البحث والباحثين المستقلين، بحثاً عن ركيزة مضادة أو كابحة للحالة الراهنة من احتمالات تطور الصراعات والتوترات الطائفية والعرقية.
مثير هذا النوع من التناقض: البلدان المفترض أنها أدنى تشكلاً، تنتهي إلى تقدم في رؤية ما تعانيه ومعالجته، والبلدان المفترض أنها قطعت أشواطاً في الانسجام وبنيان الدولة الحديثة، تقاسي نتائج الافتقار إلى مفهوم مناسب، يصلح لمعالجة تلك الظواهر، مع أنها غير محصنة ضدها. في حالة العراق مثلاً، نحن لا نعرف المآلات التي سيذهب نحوها البلد بعد انهيار «دولة حديثة» عاشت 82 عاماً ثم هوت وسحقت. فتلك قضايا تعود إلى شبكة هائلة من العوامل والمحركات من الماضي والحاضر والمستقبل. لكن الشيء الأكيد اليوم أن البنية السياسية والفكرية للنخبة لا تبدو مهيّأة لاستيعاب شامل لعملية الانهيار، والسير إلى ما يمكن تسميته «تبلور صيغة سياسية ــ مجتمعية لما بعد الدولة الحديثة».
هذا شأن يتجلى اليوم في التدني الرهيب في استعدادات تقبل حتى الواقعية المصطلحية، أو تعلم مبدأ حيادية الفكرة أو المصطلح. فالقول مثلاً بأن المقاومة العراقية هي مقاومة جزئية وطائفية، لا يمكن أن يُفهم إلا بمنطق الشتيمة، وتلك يُردّ عليها، كما هو متوقع، بشتى النعوت الخارجة عن الصدد، التي قد تصل إلى التخوين.
ولكن المقاومة العراقية جزئية وطائفية، بالضبط مثل المقاومة اللبنانية، أو مثل «حماس» مثلاً. وهذا نقص ومشكلة، إلا أنه واقع. هل القول بأن المقاومة الفلانية جزئية، ومكونة من طائفة بعينها، يقلل من قيمتها؟ نعم ولا. ولننس المقارنات، ومستويات الابتعاد أو الاقتراب في كل موضع، من الضرورة الوطنية، أو الأهداف البعيدة والقريبة؛ ففي ما يخص العراق مثلاً، هنالك فرضية نهائية لا تقبل الجدل تقول إنّ العراق يجب أن يعرف ظهور مقاومة «وطنية»، بمعنى شاملة لكل المكونات. هذا الحكم نابع من فرضية لا تقبل العراق، ولم تعرفه أو تتصوره مجزّأً، وتريده كياناً واحداً.
النزعة التي لا تعترف بالجزئية القائمة في العراق، وتصر على نفيها، تتبنى مفهوماً أيديولوجياً عن «الوحدة» قائماً على النكران. يظن هؤلاء أنهم إذا أصروا على أن المقاومة ليست طائفية ولا جزئية، فإنهم يكونون قد التزموا بالوحدة. لهذا هم يرفعون شعارات من قبيل «المقاومة الممثل الشرعي للشعب العراقي». ونكران الطائفية، كما نعلم، من أكثر الوصفات الإيديولوجية تأجيجاً للطائفية وتعزيزاً لمنطقها. وهذا النمط من ردود الأفعال حاد ومتصلب، ليس بافتعال مقصود، بل بحكم تعقيدات وخلفيات مأساوية رهيبة. هل يمكن إحالة أسباب تدني مستوى المقاربات لقضية من أهم قضايا وشؤون العمل العراقي المقاوم، إلى كون البلاد عاشت 35 عاماً محبوسة في المنطق الشعاراتي والإيديولوجي الرثّ؟
قد تكون هذه واحدة من الكوارث التي خلفتها الديكتاتورية. فمقارنةً بالمستوى العام من الوعي المنهجي بالقضايا المذكورة، يقف العراق متأخراً حتى بالقياس إلى بلدان عربية، يفترض أنه متقدم عليها من ناحية البنية الوطنية، ومستويات التشكل الوطني. وليس هذا بالشأن العارض، أو الذي يجوز المرور عليه، إذا ما قدرنا نواحي أخرى تتعلق بحصيلة التجربة، وتراكم الخبرة التاريخية ونوعها.
يمكن المقاومة الجزئية أو الطائفية أن تقاوم العدوان والاحتلال، وتهزمه، محققة أهدافاً وطنية. لكنها مهما فعلت، لن تكون مثلها مثل «المقاومة الوطنية» الشاملة. فالمقاومة الشاملة إذا انتصرت، تقيم نظاماً جديداً على أنقاض المحتل وسلطته، وتكون هي قد تكوّنت كسلطة قادمة في مجرى الصراع مع المحتل. كما كان يحدث وحدث في الجزائر أو في الصين أو كوبا.
المقاومة الجزئية، تواجه حتماً مهمة أخرى غير التحرير وطرد الغزاة. والذي لا يريد تصديقه من يرفعون شعارات مثل «المقاومة هي الممثل الشرعي للشعب العراقي»، أن دحر المحتل لم يعد اليوم يمنح المقاومة شرعية تمثيل البلاد ولا حكمها. الأوضاع تغيرت جذرياً، والأمثلة عديدة وبليغة. لقد أدى رفع شعارات من قبيل «الممثل الشرعي في العراق» إلى خدمة الطائفيين الشيعة في مناطقهم، وساعدهم على تأجيج المشاعر الطائفية، فيما أحرج الوطنيون في تلك المناطق. بينما من يرفعون الشعار المذكور ومناصروهم، يتساءلون باستنكار عن السبب الذي يجعل طائفة بعينها تتأخر عن المقاومة. وكل هذا بالطبع ترسانة واحدة، ومنطق جزئي وطائفي.
من القضايا التي يتداولها مؤيّدو النزعة الجزئية للمقاومة، دعوى الصدفة، أو التركّز المناطقي، وليس الطائفي. يتذاكى بعض هؤلاء ويقولون: إن المسألة مكانية. لو كان الأمر كذلك، لاقتضى شعارات أخرى، وسلوكاً آخر. فالمقاومة الجزئية مناطقياً يمكن ألا تكون جزئية ولا مناطقية. ويمكن مثلاً في الحالة اللبنانية، كما يلاحظ أحياناً، أن تحرص المقاومة على تبني موقف وطني عام، لا يعزلها داخل طائفتها أو لا يثير بقية الطوائف ضدها. وهي قد تنجح أحياناً أو تفشل أحياناً. غير أن هذا لم يحدث في الحالة العراقية، ولم تستطع المقاومة الجزئية والطائفية بلورة موقف أو خطاب وطني شامل، وكثيراً ما يتباهى ممثلو المقاومة بكونها سنية، لأسباب ودواعٍ إقليمية معلومة، فيما لم يصادف أن وجد أي وطني من منبت شيعي في موقع متقدم ومقرر في الكتلة التي توجّه العمل المقاوم أو تقوده.
هذا مع العلم أنّ نسبة العراقيين من الشيعة، تفوق عددياً السنّة، والوطنيين المناهضين للاحتلال منهم كثر. الغريب هو أن من يشير إلى هذه النقيصة مثلاً يُتهم فوراً بالطائفية، مع أن مثل هذا التدبير حاسم لمصلحة المقاومة، حتى من الناحية البراغماتية، واستمرار غيابه دليل سذاجة وسوء تقدير فادح، على الأقل لأنه كان لو أُخذ به سيؤدي إلى إحراج الطائفيين الشيعة في مناطقهم، بغض النظر عن كونه ميدان تفاعل من أجل بلورة تصور وطني شامل.
دعونا من مطالب عويصة كهذه، ولنطمح فقط بامتلاك حق القول بصورة تقريرية: المقاومة العراقية جزئية وطائفية، ولا نسمع الشتائم!
* كاتب عراقي