علاء اللامي *

لا يكاد المتابع لوسائل الإعلام العراقية عن كثب يصدق بعض ما يرى في القنوات الفضائية أو يقرأ في الصحف. فقد انغمست بعض هذه الوسائل الإعلامية في حالة الاستقطاب الطائفي والإثني عميقاً حتى صارت جزءاً منها. صحيح أن الواقع الجديد الذي أوجده الاحتلال الأجنبي وفّر حرية تعبير لا سابق لها في العراق، ولم يجربها العراقيون في تاريخهم السياسي الحديث، ولكن هذه تحولت إلى نوع من الفوضى الإعلامية والسيولة الفكرية، وحتى الأخلاقية. هذه الحرية المشوّهة سببّت نشوء ظواهر جديدة، ومفاقمة أخرى قديمة، كادت تندثر. ومن ذلك أنه تأسست صحف تجاهر بدفاعها عن أطراف سياسية طائفية مشاركة في العملية السياسية الاحتلالية، أو مقاطعة ومعارضة لها، وعلى أساس من التحريض والتبني الحرفي للخطاب الطائفي والإثني الخاص بتلك الأطراف. وأنشئت بعض القنوات التلفزيونية المحلية والفضائية داخل البلاد وخارجها على أسس طائفية وفئوية، تحوّلت سريعاً إلى حسينيات ومقرات لمواكب ذات طابع ديني طائفي، وخصوصاً في المناسبات الدينية الشيعية، وبات الأمر أشبه بالضريبة الواجبة الدفع، وإلا تدخلت العناصر المسلحة وبقايا المليشيات، فعاقبت الممتنعين عن الأداء بطريقتها الخاصة. هذا الواقع دفع حتى القنوات الرسمية، وتلك ذات التوجهات العلمانية، والأخرى التي تنتمي للجهة المقابلة طائفياً، إلى الاشتراك في حملة الندب والعويل على المستوى الوطني.
وحتى الآن، يمكن النظر إلى هذه الظاهرة على أنها واحدة من إفرازات واقع الاحتلال الأجنبي الذي يشجع كل ما من شأنه تمزيق الوحدة المجتمعية في العراق، وتفتيت النسيج الاجتماعي الموروث. وعلى أنها محاولات للتنفيس عن الذات الاجتماعية لفئات مهمشة بعد كبت وقمع سياسي وطائفي وفكري دام أكثر أربعة عقود من الحكم الدكتاتوري المتشدق بوطنية لا طعم لها غير الحفاظ على احتكار السلطة والثروات.
غير أن الأمر خرج عن هذا الإطار، واتسع كثيراً لدرجة خطيرة، فتحولت بعض الصحف والقنوات التلفزيونية إلى منابر متعادية تلفق الأخبار وتنشر الشائعات وتضخّم وقائع الحياة اليومية وتشوهها، السياسية والمجتمعية والأمنية.
ومن الطبيعي أن تلحق هذه الظاهرة الضرر البالغ بصدقية الإعلام العراقي، وخصوصاً ذاك الذي حاول ونجح إلى حد ما في تمايزه عن السائد، وحافظ على الحس النقدي في خطابه وتوجهاته العامة. وقد دفع عدد كبير من الزملاء الإعلاميين ثمناً فادحاً لهذه المواجهات الطائفية في الساحة الإعلامية، بلغ في مئات الحالات فقدانهم حياتهم.
لقد قتل في العراق منذ الغزو الأميركي أكثر من 300 إعلامي، عدد كبير منهم قتلوا برصاص المحتلين وحلفائهم المحليين، ولكن عدداً آخر منهم قتلته أو جرحته أو اختطفته عناصر المليشيات ومافيات القتل المحترفة، ولأسباب تتعلق مباشرة بما أسميناه انغماس بعض وسائل الإعلام في حالة الاستقطاب والتعادي الطائفي والإثني.
إن إدارات وسائل الإعلام التي نقصدها بالكلام هنا تتحمل مسؤولية كبرى عما حدث ويحدث لعموم الإعلاميين العاملين فيها، لأنها أحياناً تدفعهم دفعاً إلى الموت. لتوضيح هذا الافتراض، سنمر سريعاً على أمثلة منتقاة مما بثته ونشرته بعض هذه الوسائل:
اعتادت إحدى القنوات الفضائية العراقية التي تبث برامجها من خارج العراق، ولها في داخله شبكة جيدة من المراسلين والفنيين، أن تسمي بعض فصائل المقاومة العراقية المسلحة باسم «المجاميع المسلحة الخاصة والمدعومة من إيران». مع أن هذه الفصائل تستهدف بعملياتها قوات الاحتلال الأجنبية تحديداً، ولم تثبت عليها عملية واحدة استهدفت فيها مدنيين، سواء كانوا متعاونين مع الاحتلال أو لأسباب طائفية. وتبث هذه القناة نفسها أخباراً خاصة بها وتتعلق بعمليات قتل ترتكبها مليشيات معينة، ذات انتماء طائفي محدد، وفي بعض الأحيان تتضمن تلك الأخبار أسماء الأشخاص المتهمين أو الذين أطلق سراحهم، مع بعض المعطيات والحيثيات التي تندرج في باب الوشاية... ومثال ذلك: «ألقت السلطات الأمنية سراح فلان الفلاني، القيادي في المليشيات الفلانية، بعدما اعتقل في مدينة كذا بتهمة ارتكاب جرائم قتل راح ضحيتها فلان وفلان. وذكر مصدر أمني أن هذا الشخص مدعوم من شخصية سياسية مؤثرة وإنه ينوي أن ينتقم ممن بلّغوا عنه السلطات الأمنية قريباً»!
لقد استمعت شخصياً، وبرعب حقيقي، لهذا الخبر تقرأه إحدى المذيعات وعلامات الانفعال والخوف بادية عليها. قرأته بسرعة خارقة وكأنها تتخلص من واجب ثقيل لا بد لها من القيام به ثم تنفست الصعداء. والواقع، فإن من السهل تفهم حالة هذه المذيعة وسواها، فهي ستفقد عملها دون شك إن رفضت قراءة خبر كهذا، وهي تعلم بأنها قد تستهدف شخصياً وتفقد حياتها من المتضررين منه إن قرأته.
مثال آخر: صحيفة واسعة الانتشار تصدر في بغداد وتنشر الكثير من الأخبار والتحقيقات التي تزيد من حدة التعادي والاستقطاب الطائفي بين السنّة والشيعة العراقيين، وبين العرب والكرد، وتنسب أخبارها إلى «مصادرها الخاصة»، وتنطلق من اعتبارات خاصة ذات منحى طائفي وفئوي. فهي تدافع عن الحكم القائم والعملية السياسية حتى النفس الأخير إذا ما وجّه لها النقد من أطراف من خارج طائفتها، ولكنها لا ترحم الحكم القائم نفسه بل تفوق في تهجمها عليه ونقدها له ولممارساته حتى الفصائل المناهضة له. إضافة إلى أن نقدها للنظام السابق وقيادييه وزعمائه لا ينطلق من أرضية سياسية معارضة لذلك النظام، بل من خلفية طائفية أيضاً.
قناة تلفزيونية وصحيفة أو أكثر تحاول في سعيها المحموم لتشويه كل شيء وتقبيح الموجود، القفز على الواقع نفسه وخيانة الحقيقة ذاتها. فكل ما هو موجود سيئ في نظرها، مع التأكيد أن الموجود السيئ ليس قليلاً البتة باعتراف الحاكمين أنفسهم. ولكن من المعيب حقاً أن تلفق بعض الصحف والفضائيات الأخبار والأكاذيب، وتجبر الآخرين على ابتلاعها، وتعتبر نشر أي خبر عن إنجاز علمي أو فني للعراقيين بمثابة دفاع عن الاحتلال وحكم المحاصصة الطائفية القائمة، في الوقت الذي تبتلع هذه الوسائل الإعلامية ألسنتها ويصيبها الخرس عندما يكتشف العراقيون مقبرة جماعية جديدة من مخلّفات نظام البعث الصدامي مثلاً، أو عندما تُفضح حقيقة مواقف إحدى الشخصيات التي تزعم مناهضة الاحتلال وهي محسوبة على «معسكرها»، وكأن مجرد الانتماء أو زعم الانتماء إلى معسكر مناهضة الاحتلال يجعل المرء فوراً ملاكاً طاهراً لا يأتيه الباطل من خلفه أو من بين يديه.
خلاصة القول، إنّ مسؤولية ضخمة تقع على عاتق إدارات بعض المؤسسات الإعلامية العراقية بدخولها إلى مستنقع التعادي والاستقطاب المليشياوي الطائفي والإثني، وبزجها بصحافييها وإعلامييها عامة في حملة التحريض والتحريض المضاد.
إن من يدفع ثمن هذه السياسات الإعلامية والتوجهات المليشياوية هم الصحافيون أنفسهم. لقد دفع الجسم الصحافي العراقي دماً غزيراً، المسؤول الأول عنه هو المحتل الأجنبي، وحكم المحاصصة الطائفية المتحالف معه، غير أن ذلك لا يعني إعفاء إدارات تلك المؤسسات الإعلامية العراقية من مسؤوليتها المهنية والأخلاقية. وسيكون من حق أي إعلامي عراقي أن يرفض نشر أو توزيع أو قراءة أي خبر أو تحقيق يدخل في هذا الباب: باب التحريض والتحريض المضاد والانغماس في ذلك الاستقطاب.
* كاتب عراقي