Strong>مي الصايغ

ما وطئت قدماه بلداً، عربياً أو أجنبياً، إلّا عاد ليُرحَّل منه. واقع يختصر حال الأستاذ السابق للعلاقات الدولية في «الجامعة اللبنانية» جورج حجّار الذي وقَّع أخيراً كتابه «تحرير العراق، تحرير أميركا والعالم». أراد الكتاب صرخةً توقظ الشعب العربي من سباته. للوهلة الأولى، يأسرك الهدوء المرتسم على ملامحه، لكنّ النزعة الثورية تعود لتتقمص شخصية هذا المناضل اليساري. ما إن يبدأ ابن البقاع الغربي بالحديث عن مسيرته، حتّى يتحوّل مكتبه في «المجلس الوطني للإعلام» إلى ديكور لما يشبه فيلماً أميركياً طويلاً.
تبدأ أحداث الفيلم في «دير المخلّص» في صيدا، حيث لم يكن أمام عائلة حجَّار إلّا إدخال ابنها جورج الدير لمتابعة تعليمه، بحكم أوضاعها المادية. لكنّ ابن الـ15 كاد يختنق من صرامة القوانين، فقرر الهرب إلى مسقط رأسه، القرعون، سيراً على الأقدام. اختمرت في رأسه فكرة الهجرة عام 1952، فاختار كندا وجهةً، وهناك نال إجازة في العلوم السياسية. على مقاعد الجامعات الكنديّة، تعرّف حجّار إلى الحركة الاشتراكية الفتية، ليصبح لاحقاً قيادياً في صفوف «الحزب الاشتراكي» عام 1955 الذي رشّحه في الانتخابات التشريعية ضدَّ وزير الخارجية السابق بول مارتن عام 1958، وكاد الفتى المهاجر أن يهزم وزير الخارجية الكندي آنذاك.
في ظلِّ فضيحة أعمال الحقبة الستالينية، وفي ضوء المؤتمر السوفياتي الـ20 عام 1956، قرَّر حجار مع مجموعة من الطلاب الماركسيين تأسيس حركة عرفت باسم «اشتراكية يسار جديد، اشتراكية ذات وجه إنساني» عام 1962.
محطة حجّار الثانية كانت في الولايات المتحدة. هناك، نال شهادة الدكتوراه في الفكر السياسي. كان ذلك في بداية الفورة الطلابية حين احتلّ الطلاب جامعة كولومبيا عام 1965، وطالبوا بإجراء فحوص لتقويم مستوى الأساتذة وكفاءتهم. شارك حينها في التظاهرات المناهضة للحرب على فيتنام، والتجنيد الإجباري الذي فُرض حينها على الطلاب الأميركيين. كان الشاب المهاجر الذي عمل مدرساً وطالباً في الوقت نفسه أحد رموز تلك الحقبة. في ندوة جامعيّة، تحدَّث وزير الدفاع الأميركي آنذاك روبرت مكنمارا، قائلاً: «جنودنا في فيتنام سيكونون هنا في ليلة الميلاد»، فأجابه حجّار: «أنت من ستكون هناك»، وحصل بالفعل ما توقَّعه.
اهتمام حجار بفيتنام لم يشغله عن القضايا العربية، وكان لهزيمة حزيران 1967 الوقع الأكبر عليه. في تلك الفترة، طُرِد من جامعة «واترلو» الكندية حيث درّس بعد عودته من الولايات المتحدة، على خلفيّة تصريحه بأنّ «إسرائيل نازية جديدة». حينها، طلب إليه مخرج يعمل في محطة «سي بي سي» الكندية إجراء حوار مع الرئيس جمال عبد الناصر، فوجد حجَّار ذلك الطلب فرصةً ليغادر كندا إلى القاهرة، حيث باغته عارض صحي ألزمه المستشفى 45 يوماً. زاره حينها الرئيس جمال عبد الناصر، فما كان من حجار إلّا أن سأله: «لماذا خسرنا الحرب يا ريّس؟»، فأجابه عبد الناصر: «خسرنا الحرب لأننا كنّا نبني السلطة، ولم نكن نبني الدولة».
بعيد شفائه وعودته إلى كندا، طُلب منه التدريس في ولاية نيو أورلينز الأميركيّة ضمن برنامج «حلف شمالي الأطلسي» لتبادل الأساتذة عام 1968. هناك قام مع مجموعة من الطلاب بخطف حاكم الولاية لتحقيق مطالبهم الجامعية. «حاصر الطيران والقوات البحرية والبرية منزلي، وحوّلت إلى المحاكمة، وكان الحل بفصلي من الجامعة وطردي من البلاد عام 1969، لأعود إلى كندا مجدداً».
النكسة العربية فرضت على حجّار أن يكون «اشتراكياً أممياً»، فانخرط في صفوف «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» عسكرياً وفكرياً. لم يمضِ وقت طويل حتى لمس الرجل عدم جديّة الكفاح الفلسطيني المسلّح. اقترح على المناضلة ليلى خالد، أن يروي تجربتها، فكان كتاب «شعبي سيحيا: مذكرات خاطفة الطائرات/ ليلى خالد؛ كتبها كما روتها له جورج حجار» عام 1973. ترجم الكتاب إلى 17 لغة، وكان جسر عبوره إلى العالمية. استقطب الكتاب اهتمام الصحف العالمية التي رأت أنّه يدعو إلى الإرهاب الدولي وخطف الطائرات، فمنع نشره بقرار من القضاء البريطاني. استأنف حجّار الحكم أمام المحكمة العليا التي سمحت بإعادة نشره على اعتبار أنه «يبشر باشتراكية جديدة، ولا علاقة له بالإرهاب»، فاحتلَّ المرتبة الأولى بين الكتب التي نشرت باللغة الإنكليزية عام 1973، على الرغم من منع إصداره في الولايات المتحدة.
«المشاكس منذ نعومة أظفاره»، لم يكن وضعه في الدول العربية أفضل. من الكويت التي قصدها عام 1974، رُحِّل على خلفيّة مقال توجّه فيه إلى الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز قائلاً: «لن تصلّي في القدس»، وذلك على خلفيّة تصريح الأخير بأنّه سيصلي بعد عام في القدس. يخبرنا حجّار: «حاول أحد الضبّاط شرح قضيتي لوزير الدفاع والداخلية حينها سعد الصباح، قائلاً: «ما الذنب الذي اقترفه حجّار»، فردَّ الوزير قائلاً: «شلون مسيحي، شلون شيوعي، شلون يشتم قرايبنا»».
الضجة التي أثيرت حوله في الكويت، لفتت الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. هكذا، توجَّه حجّار نحو بلاد الرافدين عام 1975، وبقي فيها حتى 1978. «سنوات من النعيم». هكذا يصف حجّار فترة وجوده هناك، إذ ألّف خلالها خمسة مجلدات تتناول أدبيات المقاومة الفلسطينية، وبحثاً عن جمهورية أريحا، وكتاباً بالإنكليزية عن الاستيطان الإسرائيلي بين 1967 و1978. لم يهجر العراق إلَّا بناءً على نصيحة بعض الأصدقاء خشوا تصفيته هو وغيره من اليساريين، فغادر إلى الجزائر.
عن إقامته في الجزائر، يقول: «لم أدرك أنّ وراء القناع الجميل، نظاماً بوليسياً يتعقّب كتاباتي يومياً. خطئي الكبير أنّني أعدت كتابة تاريخ الجزائر. كان هاجسي استرجاع حكم أحمد بن بلة، فسجنت حتى رُحِّلتُ عبر المطار».
بعد هذه المسيرة الحافلة، قرَّر العودة إلى ربوع الوطن عام 1982، وإذا بإسرائيل تجتاح بيروت. «قضيتُ أربع سنوات في الكفاح المسلح، لأكتشف في ما بعد أن لا مستقبل للكفاح الوطني. فحوّلت الإسطبل في بيتنا إلى «منتدى العروبة اللبناني»، ونظمنا الندوات والمحاضرات منذ عام 1984».
دخلت «الجامعة اللبنانية» وفصلت منها عام 1999 بتأثير من بعض الضبَّاط السوريين، بعدما رفضت طلب أحدهم تزوير الامتحانات في كلية الحقوق في زحلة». يتابع: «جرحتني مسألة إنهاء سوريا للحركة الوطنية المسلّحة، وموقفها من حرب الخليج. لكنّ التزامي العلمي ومشاركتي في برنامج «الاتجاه المعاكس» على قناة «الجزيرة» مع فيصل قاسم، ومقاربتي حينها لاستراتيجيّة الأمن القومي الأميركي، كانت سبباً لعلاقة إيجابيّة مع النظام السوري». ويبقى حلم المناضل اليساري أن يختتم مؤلفاته بكتاب عن حركات التحرّر العالميّة، فيما تتملَّكه حسرة لعجزه عن تأسيس مركز دراسات استراتيجية مختصّ في شؤون الولايات المتحدة في «الجامعة اللبنانية». هذه الجامعة تحوّلت بنظره إلى مستنقع طائفي مذهبي: «كدت أكفر فيها، مسترجعاً ألم ذراعي التي كسرت في الدفاع عن قيامها».



5 تواريخ

1935
الولادة في بلدة القرعون البقاعية
(لبنان)

1958
رشَّحه «الحزب الاشتراكي» في كندا لتمثيله في الانتخابات التشريعية فتواجه مع وزير الخارجية الكندي آنذاك بول مارتن

1973
نشر كتاب «شعبي سيحيا»، عن تجربة ليلى خالد وترجم إلى 17 لغة

1999
فصل من «الجامعة اللبنانيّة» بضغط من بعض الضباط السوريين

2009
وقعّ أخيراً كتابه «تحرير العراق، تحرير أميركا والعالم» («دار الركن» ـــــ بيروت ؛ «المسبار» ـــــ دمشق)