لم تسعف 61 عاماً عاشها اللاجئ بيننا، تغيير صورته السلبية لدى بعض اللبنانيين. فهو "أبوالموت" الذي حمل بندقية في وجه مضيفيه. الطامع. الجائع دائما لحقوقٍ ليست له. خرجت الصورة فجأة من وكر الذاكرة وزحفت الى طاولة ورشة "مبادرات الحوار اللنباني الفلسطيني"، التي نظمتها جمعيات أهلية مشتركة، برعاية لجنة الحوار اللبناني ـ الفلسطيني، لإعداد ورقة عمل تنظم العلاقة بين الطرفين فكان ما كان


راجانا حمية
وصل جدول أعمال ورشة مبادرات الحوار اللبناني الفلسطيني 2، منذ عصر أوّل من أمس، عبر البريد الإلكتروني الى المشاركين. لكن النسخة وصلت "معدّلة" بما يخالف ما تمّ الإتّفاق عليه قبل 3 أيّام. فقد لاحظ مشاركون ان كلمة للجنة اللبنانية ـ الفلسطينيّة للحوار والتنمية الصيداوية، التي شكلتها الوزيرة بهية الحريري عقب احداث البارد، دُسّت فيها برغم طلب المشاركين في إعداد مسوّدة العمل بأن تقتصر الكلمات على تقديم نائب رئيس اللجنة الراعية زياد الصايغ. كان الهدف " ان نخرج من الصبغة السياسيّة التي يمكن أن يضفيها تقديم أيّة جهةٍ أخرى غير الراعي"، بحسب أحد معدّي المسوّدة د. جابر سليمان، الأمر الذي خرقه ادراج كلمة اللجنة.
كان يمكن لهذا الخرق أن يمرّ عابراً في الجلسة الإفتتاحيّة وحتّى في الورشة التي تلتها، لو أن أعضاء اللجنة المنتشرين في القاعة، لم يتولّوا الدفاع عن اللجنة.
لم يكد الصايغ يعطي الكلمة لممثلّة اللجنة مايا مجذوب، بعدما أعلن عن تعاون لجنة الحوار اللبناني ـ الفلسطيني معها كشريك في المبادرات، حتى انقلب النقاش من طرح مبادراتٍ تعزّز العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية إلى جلسة تكشف "المستخبّى والمستنيّل" الذي يحكم هذه العلاقة.
المجذوب، التي اعتلت منبر المحاضرين، قدّمت نموذجاً ضيقاً للعلاقة بين الطرفين، تمثّل بالعلاقة بين المجتمع الصيداوي وفلسطينيي مخيمات المنطقة. هذا الجزء من الحديث كان مقتضباً مقارنة بالشرح المستفيض عن اللجنة التي "كان الفضل للوزيرة بهية الحريري في إطلاقها عقب حرب البارد"، وعن نشاطاتها وخططها المستقبليّة.
أنهت مجذوب كلمتها. وانتهى "الحادث". لولا أن د. سليمان لم يحتمل هذه النهاية غير المعبرة، فخرج عن صمته قائلاً "فوجئنا بوجود كلمة للجنة، وكنا نتمنى ان تكون كلمتها من على طاولة الحاضرين، لا من هنا". الامر الذي استدعى تعليقا من عبد اللطيف ترياقي، أحد أعضاء اللجنة المشتكى منها الذي علق "صراحة يا رفيق مفاجأتكم فاجأتنا، هذه اللجنة تعمل منذ 3 سنوات، يبدو أنكم لم تعرفوا بها إلا الآن"!.
هكذا، تسمم الجو، ما جعل الصايغ يستطرد مهدئاً، معتبرا أن حضور اللجنة "هو لأنّه شعرنا أنها تمثّل نموذج مهم لما يسمى التشبيك مع كافة القطاعات، وفكرنا أن هذا النموذج قد يكون دافعاً لإنشاء تجمعات مماثلة".
وبما يشبه التواطوء على تناسي "الخضّة"، بدأ سليمان بتلاوة مسوّدته التي استغرق العمل لإعدادها ستة أشهر. ولعل أبرز النقاط التي تمحورت حولها المسودة هي "حقوق الإنسان الفلسطيني في لبنان ـ برنامج المناصرة وبرنامج الأنشطة والفعاليات المشتركة". ويتضمن البرنامج الأول إطلاق حملة مناصرة بخصوص حقوق الإنسان الخاصة بالفلسطينيين وتركّزت على حق العمل وحق التملك وإعادة إعمار نهر البارد. كذلك كان في البرنامج تنظيم حلقات نقاش مشتركة للتعريف بتاريخ العلاقات بين الطرفين وتطوير شراكة فعلية ما بين المجتمع الاهلي الفلسطيني اللبناني ووسائل الإعلام بما يضمن توفير المعلومات عن أوضاع الفلسطينيين. أما الجزء المتعلق بالنشاطات، فقد تركزت حول سبع نقاط منها التشبيك والتدريب وتفعيل المخيمات الشبابية المشتركة وتنظيم زيارات التعارف المتبادلة وتنظيم العروض السينمائية.
أنهى جابر قراءة مسوّدته، فاسحاً المجال أمام مجموعتي العمل: المناصرة والأنشطة، للبدء بمناقشة البنود.
انقسم الحاضرون. كانوا على الطاولة الواحدة، فلسطينيون ومناصرون لبنانيون لقضيّتهم، في مواجهة لبنانيين تقمّصوا فجأة موقف السلطة السياسيّة الحذر والمتخوف من الفلسطيني. وكانت مسوّدة خطّة العمل هي الفتيل الذي اشتعل ولم ينطفئ حتى بعد انتهاء الجلسات. ففي مجموعة المناصرة، أحدثت النقطتان المتعلّقتان بحقوق الفلسطينيين الأساسيّة ومنها حق العمل، وحق التملك وتاريخ العلاقات اللبنانيّة الفلسطينيّة، صداماً بين بعض اللبنانيين المتوجّسين من مطالب الفلسطينيين على خلفية التاريخ السلبي للسلاح الفلسطيني، وبين فلسطينيين يطلبون "البراءة"، ومعاملتهم بما يحفظ كرامتهم ويطمئنهم بشكل يجعلهم اقل إشكالية في المجتمع. وإن توافق الجميع على ضرورة تعزيز العلاقات اللبنانية الفلسطينية بعيداً من "التاريخ الملغوم"، كما قال مشاركون، إلا أنّه كان هناك إصرار من بعض اللبنانيين على تضمين بند العلاقات ما يسمى بهواجس اللبنانيين من العلاقة مع الفلسطينيين. فما كان من كمال شيّا (جمعية مسار) سوى الرد، قائلاً "سنستغرق وقتاً طويلاً لو أردنا الخوض بقصّة الهواجس، تفضّلوا اطلبوا من (النائب عن كتلة الإصلاح والتغيير والمعروف بتصريحاته المتوجسة من الفلسطينيين)نعمة الله أبي نصر ليخبركم ما هي ".
أما مسألة الحقوق، فقد تحول النقاش حولها إلى حلبة صراع. وبدا الإنقسام واضحاً بين أشخاصٍ يدعون الفلسطينيين "لحمل صخرة على قد قدرتكم يا فلسطينيي، ولا يحقّ أن ترفعوا السقف وتطالبوا بكل الحقوق، احصروها كي تستطيعوا الحصول عليها". أما الأغرب، فقد كان الجد الذي كان يقال على سبيل المزاح من نوع "ما تقووا، شو بدكن تعملوا نواب عنا"، فكان الرد من ميسر الجلسة محمود عباس (ابو مجاهد) "لا أريد أن أكون نائبا، أحتاج لمنزل لائق فقط أعيش فيه وحدي من دون الجرذان".
ولئن كانت الجلسة الثانية حول الأنشطة أقل صدامية، إلا أنّها انقسمت أيضاً بين "نحن" اللبنانيين و"أنتم" الفلسطينيين. وكان لا بد من جلسة ثالثة للموافقة على الصيغة النهائية لخطة العمل، التي تمّت بعد جهدٍ جهيد.