دبي ــ دلال حرب

قال لي أبي: «ما هذا الكتاب الذي تقرئينه؟ هذا ليس بأدب ولا ثقافة. أنا رجل راشد وخجلت مما قرأته في أولى صفحاته، فقررت ألا أكمله لما فيه من كلام فاضح وعبارات نكاح وعواهر وفسق... أتمنى ألا تضيّعي وقتك على التفاهة...».
كان ذلك كتاب «غسان والعاهرات» الذي «برمت الدنيا وقلبتها» لأجده.
بحثت عنه على صفحات الإنترنت، وجعلت مسعاي «أمانة برقبة» كل صديق يزور لبنان بأن يسأل عنه في المكتبات العديدة في البلد. ولكن، دون جدوى. فكان تارةً غير متوافر لعدم طباعته من جديد، أو قد سُحب من السوق بفعل الرقابة الممارسة عليه. إلى أن أفضيت مرة إلى صديق بعيد عني في الجغرافيا وقريب مني في الفكر، عن إحباطي من نتيجة البحث المستمر، فأوصاني بزيارة آخر مكتبات بيروت التي تحوي كتباً نادرة أو جُعلت كذلك لسببٍ أو لآخر.
زرت المكتبة وكانت زيارة خير إذ وجدت الكتاب لتنتهي معاناتي وتخفت «حرقصتي».
قرأت مرة في تحليل أدبي أن الإباحية تقتل الأدب وتميت الشاعرية. كان ذلك خلال مطالعتي «الحياة الجنسية لكاترين أم» الصادر باللغة بالفرنسية، بعدما تابعت الجدل الإعلامي والأدبي الذي أثارته الكاتبة عقب صدور كتابها الذي يسرد تفاصيل حياتها الحميمة والمتحررة، بوفاءٍ تام لعنوانه.
يومها، وكما أفعل بكل كتاب حفاظاً عليه، غلّفت كتاب كاترين أم بأوراق الجريدة. ولكن، بيني وبين نفسي، كان التجليد هذا بالذات نوعاً دبلوماسياً من الرقابة التي ارتأيتها بغية الحفاظ على خصوصية الاختيار وإبعاد الحشرية غير المرغوب فيها، نظراً إلى أنني أقرأ كتبي في الاماكن العامة عادة، الكافيه، التاكسي، الأوتوبيس، قاعات الانتظار وغيرها من الفضاءات الرتيبة التي لا مفرّ منها في نظامي اليومي.
لم أعرف إن كان أبي قد أفصح عن رأيه في نوعية قراءاتي استناداً منه الى هذا التحليل، أم لمجرد تكريس مبدأ العيب والحشمة. ما أعرفه هو أنني أُحرجت من موقفه وتغلّب شبح «يا عيب الشوم» على تحرري الفكري الذي أحمله رايةً في وجه كل هجوم عُرفي يُشن على الأدب. أذعنت لهزيمتي الصغيرة. أودعت الكتاب في حقيبة السفر، ولم أقرأه مجدداً إلا وأنا في الطائرة.
أما بعدما وصلت، وخرجت من المطار وركبت التاكسي، فقد عاد الفضاء الرتيب، فطلبت غسان، لأكتشف أنني نسيته في الطائرة. أدركت حينها أنني خذلت غسان، وأن هزيمتي كبرت أونصةً.