تصنع إيمان البنا متخرّجة كلية الفنون الجميلة حلياً وجواهر من النحاس فقط، تركز على الفكرة، لإنتاج مصوغات تتميز عن غيرها بالشكل المبتكر


القاهرة ــ محمد هشام عبيه
وهي تعمل، يبدو كأنّ هناك ألفة ما تجمع بين يديها وقطعة النحاس المتحولة بينهما.
تلك الألفة الدافئة والحميمية تُخرج من بين يدي إيمان البنا حلياً وقطعاً فنية نحاسية فيها «نَفس» واضح من الجمال.
تروي الفنانة المصرية الشابة بداياتها في هذا المجال، عازية إياها إلى الصدفة البحتة والمسار التلقائي، إذ إنها كانت آنذاك طالبة في السنة النهائية بقسم فنون عمارة في كلية الفنون الجميلة في القاهرة، وكانت تحضر لمشروع التخرج الخاص بها. عندما انتهت من تحضير الـ«ماكيت»، وإضافة بعض التفاصيل باستخدام سلك النحاس الموجود في الأسلاك الكهربائية، فراقها الموضوع.
ثم كان الإنترنت: بالبحث الذي بدأ على سبيل اللعب والتسلية، اكتشفت إيمان أنّ صناعة الحلي والمجوهرات والتحف من النحاس موضوع مهم تقف وراءه مدارس وفنون وأساتذة وخبراء. «وجدت على الإنترنت كنوزاً في صناعة الحلي من النحاس، ثم جاءتني الفرصة لدراسة منحة متخصصة في النمسا لمدة شهر». في النمسا، تعلمت إيمان المزيد على يد فنان مجوهرات ألماني معروف، لكنّها اكتشفت أنّ ما يصنع الفارق بين قطعة وآخرى من النحاس هو الفكرة فقط، «بمعنى أنّ الفكرة في الفكرة!»، كما تقول.
هكذا، انطلقت إيمان تغرف من كنوز الأشكال الإبداعية، تصمم مصابيح كاملة من النحاس، كما تصنع الجواهر النحاسية بأشكال وأحجام مبتكرة. ثم بدأت بتنفيذ مشروعها الجديد الذي يقضي بتصميم قطع حلي يمكن فكها وتركيبها كلعبة «البازل».
«القيمة هنا ليست مادية، لأنّ الجواهر هذه ليست من الذهب أو الفضة، وإنما القيمة كلها تكمن في أنك ترتدي حلياً تشعر بالألفة تجاهها وتميزك لأن لا أحد سواك يرتدي مثلها»، كما تقول. تؤكد إيمان أنّ ما يحدد ثمن قطعة «المجوهرات النحاسية» ليس كمية الخامات التي تستخدمها بل فكرتها.
أسعار الحلي التي تنتجها إيمان معقولة نسبياً، تراوح بين 10 إلى 50 دولاراً أميركياً، لكن أكثر ما يلفت في عملها هو أن الأدوات التي تستخدمها لصناعته محدودة جداً كما تقول «أشتري كيلوغرام النحاس، وأكتفي معه بمنشار وأدوات أخرى معدودة لأصنع الحلي».
لكن اختيارها للنحاس كخامة واحدة وأساسية لمنتجاتها له وجهة نظر. «لون النحاس قريب من المصريين... أحسّه كده». تشعر بأنّه «بتاعنا قوي»، كما تقول. تضيف: حتى إن الفراعنة كانوا يستخدمونه بكثرة، و«عند زيارة أي مقبرة أو معبد لهم ستجده حاضراً بوضوح».
انحيازها ليس للفراعنة فحسب، وإنما للغة العربية، إذ تنتج حلياً وميداليات مكتوباً عليها أشعار باللغة العربية. ولها وجهة نظر تشرحها «كل كلمة في اللغة العربية لها معنى عميق، كما أنّ أشكال الحروف العربية فن في حد ذاته».
لكن هذا لم يمنع إيمان من محاولة تقديم لمحات من بعض الثقافات الأخرى في جواهرها. تقول: «المشكلة أنّ معظمنا لا يعرف شيئاً عن ثقافة الآخر، ولهذا أشعر بالسعادة عندما أصنع حلياً مستوحاة من الثقافة اليابانية المتقدمة جداً في صناعة الزخارف، ثم يسألني أحدهم من أين استوحيت هذا الشكل». هذا واحد من النقاشات التي تدور في المجموعة التي أنشأتها على الفيس بوك «SHAKMAGEYA».
كأيّ فنانة، ضحت إيمان بالعمل الحكومي الإلزامي. لكن هذا لا يعني الفوضى، إذ إنها تصحو باكراً لتنجز عملها اليومي مع النحاس، كما تسافر مرتين على الأقل أسبوعياً من الإسكندرية، مسقط رأسها، إلى القاهرة، لتعرض منتجاتها في أكثر من معرض، ولتعطي دروساً في صناعة الحلي من النحاس. «أغلبية الطلاب أجانب، المصريون يعجبون بالفكرة لكن سرعان ما يملون منها، لكن لا بأس، في كل مرة يبقى واحد أو اثنان، وتنتشر الفكرة، لأنّ أهم حاجة في شغل النحاس... الفكرة».