إبراهيم عياد

أليس من العار بعد أكثر من خمسين عاماً على نيل معظم الأقطار العربية استقلالها أن نجد معظم هذه الدول لا تنتج من أدوات الحضارة التي تستخدمها أيّ منتج حتى ولو كان بسيطاً؟ وإن كان ثمّة إنتاج خفيف يسمّى صناعة «عربية» فإنه إمّا يُصْنَع بآلات غير عربية أو أنه موادّ خام تُستخرج بأدوات مصنوعة في الخارج. ومبرّر الأنظمة الدائم لهذا التخلّف أن الظروف الإقليمية والانشغال بالهموم الأكبر هي السبب. علماً أن حقيقة الهموم الكبرى والظروف الإقليمية لديها هي بقاء الحاكم على كرسيّه ومواجهة كل ساعٍ لأي تغيير، سواء في الحكم أو في السياسة.
وسرّ بقاء هذه الأنظمة طوال العقود الماضية منذ الاستقلال حتى الآن هو سعيها الدؤوب إلى ضرب النهوض التقني والفكري وإبقاء المنطقة سوقاً استهلاكية للغرب الذي يؤمّن بقاء هذه الأنظمة ويضع لها شروطاً لا يمكنها تخطيها إن أرادت الاستمرار في الحكم.
في لبنان المسألة ذاتها لكن على نحو مصغّر. فلا حاكم مطلقاً ولا دولة مركزية، بل مجموعة من الزعماء على رؤوس طوائف تتقاسم النفوذ. يفلت من هنا أو هناك بعض الأحزاب أو بعض الخارجين عن هذا السياق لكن تأثيرهم يبقى محدوداً لعلّة تقاعسهم غير المبرّر عند معظم المفاصل الأساسية في حياة المجتمع، وضياع البوصلة الحقيقية في أحيان أخرى وعدم امتلاك الوسائل المادية الكافية، وللمحاربة الشرسة التي يلقونها من زعماء الطوائف الذين ينفّذون رغبات الدول التي تشتري منهم بقاء نفوذها في لبنان.
إن الدخول إلى الدولة العصرية لا يتم من دون قانون انتخابي يؤمّن التمثيل الأفضل لغالبية الشعب. ذلك مبدأ متفق عليه حتى لدى أولئك الذين يستمرئون قوانين الانتخاب التي تُفصّل على مقاساتهم. فتجد هؤلاء من أشد المطالبين حماسة في الحديث عن تطوير البلد وكرامة الإنسان فيه، وإن سألت أحداً منهم لماذا لا يعمل على تطوير قوانين الانتخاب يكون جوابه: «الشعب ـــــ الجماهير لا تطالبني بذلك، بل إنها تردد دائماً أنها تريدني الزعيم الأوحد في الملعب الطائفي الخاص بي. فالمطالبة بالتغيير يجب أن تأتي من تحت لأستطيع أن أغيّر، وإن لم يتغيّر هذا الـ تحت فليس من الممكن الحديث عن التغيير، لأن إيجاد قوانين عصرية لـ تحت لا يفهم ولا يريد شيئاً من العصرنة يكون كمثل إعطاء مشط لأصلع أو كأنك تُسمع أصمّ أجمل المقطوعات الموسيقية، فتصبح بالنسبة إليهم مجنوناً أو في أحسن الأحوال غريباً يحرث في أرض غيره». ويستطرد في الحديث عن «براءة» شعبه الذي لا يريد من الدنيا سوى رضى الزعيم. من دون أن نحدد أي شخص ـــــ زعيم هو ذلك الذي نتحدث عنه ودون أن نعمّم، لكن بإمكاننا أن نجزم بأن ذلك الجواب يمثّل لسان حال معظم «الزعماء» في لبنان.
ينسى هؤلاء الزعماء أو يتناسون أن أي تغيير في أي مجتمع يكون عبر النُخَب التي يختارها التاريخ مصادفةً حيناً أو بالجهد في معظم الأحيان. فمَن صنَعَ القلم مثلاً هو ذلك الشخص الذي أَعْمَلَ عقله في اتجاه تطوير العمل الكتابي من الريشة التي تحتاج إلى دواة، إلى وعاء للحبر له رأس ريشة متطوّر، ما سهّل ذلك العمل.
فالعلاج الذي يمكن الزعماء أن يقدموه إن كانوا مخلصين لشعاراتهم فعلاً يكون إمّا في مصارحة الناس بواقع الحال وتركهم يقررون ما يرونه مناسباً عبر انتخاب ممثلين فعليين عنهم يذهبون بهم إلى حيث يجدون الخيارات الحقيقية على الصعد جميعاً، وإمّا مواجهة الضغوط الخارجية للدول التي تريد تأبيد إبقاء لبنان تلك المزرعة ـــــ الساحة لصراعاتها وطارداً للأدمغة ورمزاً للتخلف على مختلف مناحي الحياة، وخاصة شبه انعدام التأمينات الاجتماعية لمواطنيه، علماً أن أي تغيير نحو الأفضل في أي مجال وخاصة على صعيد الحريات العامة سيواجَه بالتأكيد من قوى الاستعمار التي لا تريد لهذه البلاد أن تتطور حتى لا تصبح «ديموقراطيتنا» منافساً يفضح ديموقراطية إسرائيل العنصرية. وهذا الخيار هو الأصعب والأكثر كلفة لكنه الأجدى نفعاً على المدى الطويل.
أما الخيار الأخير فهو الاعتزال، وذلك أمر جد مثالي وغير قابل للتصديق لكنه يجعل من ذلك الزعيم الذي قد يلجأ إليه «أباً» أو قديساً فعلياً للشعب مثل «أتاتورك» الشعب التركي (مصطفى كمال) أو ممثل «الضمير اللبناني» (سليم الحص).
لم يفت الوقت بعد لأجل إقرار قانون انتخاب على أساس النسبية مهما كانت الحجج وحتى لو جرى تأجيل الانتخابات في 7 حزيران المقبل إلى موعد آخر.