محمد همدر

«هنا كانت الريفولي. نحو الشمال كان سوق سرسق. وهناك سوق الذهب... رزق الله»
أسماء تتقاطر إلى ذهنك صوراً، ربما سبق أن رأيتها في كتاب أو معلّقة على جدار في أحد مقاهي بيروت القديمة. يرددها سائق بيروتي عتيق يبحث عن أيام زمان في شوارع لم يعد يألفها.
كشابّ، لا يمكنك أن تتذكر من هذه المشاهد سوى دمار وغبار وسط بيروت، وتلك الأقمشة الملوّنة المتدليّة من على الشرفات، غسيل مهجّري الحرب أو مقاتليها، كما رائحة البارود والدم المنبعثة من الأزقة المؤدية إلى ساحة الشهداء وما بقي من تمثالها آنذاك، إلى جانب عربات البائعين في ساعات وقف إطلاق النار.
اليوم، تحنّ ربما إلى تلك الصور المأساوية. فرائحة العطور الثمينة تخنق أنفاسك، وكثافة الألوان في الواجهات تتعب نظرك، فتكتشف أنك أمام المشهد ذاته.
مقاتلو اليوم يخرجون ببزات رسمية، يأخذون استراحة قصيرة من معارك إقناع الزبائن بالشراء، يجلسون على المقاعد المثبتّة في الشارع، يخلعون أحذيتهم كأنهم يستريحون من معارك عنيفة.
القنّاصون يقفون بابتساماتهم خلف زجاج المحال يصطادون القلة ممن يجرؤون على تخطّي العتبة والسؤال عن الأسعار.
هنا، لا تسمع بائعاً ينادي على القهوة، لا تمرّ عربة حلويات أو تسجيلات موسيقية، لا في النهار ولا في الليل.
هذا الوسط الذي أرادوا له أن ينهض من بين الدمار ويولد من جديد، ها هو يحتضر مجدداً من إصابته بداء الروتين، أو ربما أنه ولد ميتاَ.