الحنين إلى لبنان، شعور يمكن مداواته إذا كنت في باريس، قد تفتقد الأهل والأصدقاء، لكن ستقع على معالم من الحياة اللبنانية، مطاعم لبنانية، وملاهٍ ونواد للرقص... بل إنك ستجد فيها دور عبادة أسسها لبنانيون، ليلى زاهد وثّقت هذه الأمكنة في كتاب Beyrouth in sight Paris


سناء خوري
الملوخيّة طبق رسمي وضروري في مطاعم المدينة أيام الأحد، وإن كنت ذاهباً إلى عملك، أو في نزهة صباحية، فقد تصادف فرناً، في زاوية ما، وتتناول «منقوشتك»، طازجةً عن الصاج. المدينة هذه ليست بيروت، ولا زحلة، ولا طرابلس، إنّها... باريس! العاصمة الفرنسيّة المعروفة بطابعها الكوسموبوليتي، تفرد حيّزاً خاصاً لـ«بيروت»، بالبعد الثقافي للكلمة، وذلك في جامعاتها ومطاعمها، مراقصها وبيوتها، مكتباتها ودور العبادة فيها. المدينة الأوروبيّة يفضلها اللبنانيون لأسباب كثيرة، قد لا يقلقهم شعور الغربة في الأحياء الباريسيّة، حيث لا بدّ أن يجدوا شيئاً يذكّرهم بالوطن. هذا على الأقلّ ما تخبرنا به ليلى زاهد في كتابها Beyrouth in sight Paris (تاميراس).
رحلة في باريس «البيروتيّة» يأخذنا فيها الكتاب ــــ الدليل الصادر أخيراً، بعد رحلة استقصاء خاضتها المؤلّفة، بحثاً عن بصمات الجالية اللبنانيّة في العاصمة الفرنسيّة. عملت زاهد 15 عاماً في مجال الطب الجيني، ثمّ قررت الانسحاب من الحقل العلمي، ومنحت نفسها شهراً من الراحة في باريس. في طريق العودة إلى لبنان، جلست في الطائرة تفكّر بالروابط المشتركة الكثيرة التي تجمع العاصمتين، وقررت الانطلاق بمشروع يتيح لها فرصة العمل في المدينتين معاً. هكذا، اختارت التركيز على الأماكن التي تتمظهر فيها العادات والتقاليد اللبنانيّة، وبعض العناوين التي تسهّل حركة اللبنانيين الوافدين حديثاً إلى العاصمة الفرنسيّة. الكتاب ليس مذكرات سفر ولا انطباعات شخصيّة عامّة عن باريس، بل فيه نصائح عمليّة من أرقام هواتف ومواقع إلكترونيّة. يضع هذا الدليل الجانب الأسطوري لعلاقة اللبنانيين بفرنسا في إطار توثيقي مبسّط، يفيد السائح أو الطالب أو من يرغب في إطالة إقامته في مدينة الأنوار.
تعدُّ مشكلة إيجاد مسكن في باريس، المعضلة الكبرى، إذ يقطن المدينة الممتدّة على 2700 كيلومتر مربع عشرة ملايين إنسان. يتمركز عشرون في المئة من اللبنانيين في المستديرة الخامسة عشرة التي يلقّبها البعض بـ«لبنان الصغير»، فيما يفضّل الأكثر ثراءً المستديرتين السادسة عشرة والثامنة عشرة. ويمكن للراغبين بالحصول على إطلالة مميّزة على باريس، إذا امتلكوا القدرة الماديّة لذلك، استشارة «شرفة على باريس» (www.unbalconsurparis.com)، وهي وكالة متخصصة في إيجاد شقق تناسب ذوق الزبائن المتطلبين. أمّا بالنسبة إلى الطلاب، فيمثّل «بيت لبنان» (www.ciup.fr/liban.htm) في قلب المدينة الجامعيّة الدوليّة في باريس، ملاذاً عائلياً للطلاب الجدد. البيت أسسته فيكتوريا خزامي، أول متخرجة بدرجة دكتوراه من جامعة السوربون، عام 1965، وفيه يحتفل الطلاب بالأعياد الوطنيّة، وينظمون حفلات وأمسيات أدبيّة وموسيقيّة.
بعد الاطمئنان على المسكن، تصبح المدينة مفتوحة لمن لا يحلو له المرح إلا في أجواء لبنانيّة. في باريس مطاعم لبنانيّة كثيرة، وخصوصاً أنّ المطبخ اللبناني يلاقي نجاحاً كبيراً، لدرجة أنّ ثمة مطاعم غير لبنانيّة تتضمّن مائدتها اليوميّة مأكولات لبنانيّة. في كلّ حيّ باريسي، تجد مطعماً لبنانياً. مطعم «الدار» مثلاً، يحتلّ موقعاً مميزاً في جادة «ريمون بوانكاري» (المستديرة الخامسة)، وقد تأسس عام 1985 وورد ذكره في رواية حسن داوود «أيام زائدة» (2000) وفي فيلم مارون بغدادي «حروب صغيرة» (1982). «فيروز» مطعم آخر تأسس قبل 23 عاماً، تيمناً باسم المغنية اللبنانية فيروز، وأصبح له فرع آخر للمأكولات البحريّة Feyrouz côté mer. أمّا المطبخ الأرمني، من سجق وبسطرما فقد انتقل من برج حمّود إلى مطعم Les diamentaires، الذي تأسس عام 1929، وعلى جدرانه صور زراوه من المشاهير مثل شارل أزنافور. أما المطاعم الصغيرة المخصصة للمناقيش وساندويشات الشاورما والفاهيتا والفيلادلفيا، فتنتشر في كلّ مكان تقريباً. من المعروف أنّ اللبنانيين يفضلون الطعام على كلّ شيء آخر.
يبقى للرقص حصّته أيضاً ضمن أنشطة شعبنا المفضلة، في الوطن كما في الاغتراب. وقد بنت المدارس المتخصصة بتعليم الرقص في باريس سمعة طيبة، كـ«مركز الرقص الشرقي» (www.cdo-danseorientales.com) مع الأساتذة ثريا بغدادي، ونوال رعد، ومحمد حيدر، و«فرقة لميا صفي الدين» (www.cielamiasafieddine.com)، من دون أن ننسى متاجر تبيع بدلات الرقص الشرقي والشراويل، مثل متجر شريهان (المستديرة الثانية)، والملاهي الليلية التي يديرها لبنانيون، مثل Palais Maillot (www.palaismaillot.com).
أمّا «مكتبة أنطوان»، ذلك المعقل الذي يصعب فصله عن حياة «بيروت» اليومية، فتتبعنا حتّى باريس، بعدما افتتحت فرعها هناك عام 2004. وكما هو الحال في لبنان، تنتشر الجرائد اللبنانيّة في الأكشاك الموزّعة على الشوارع الباريسّية، وفي الـ«شان زي ليزيه».
ما الذي بقي في بيروت وقد نفتقده في باريس؟ لا شيء تقريباً، فحتّى دور العبادة التابعة للطوائف المختلفة، تجد لها فروعاً في باريس. رعيّة «سيدة لبنان»، جامع باريس، حسينيّة مونترويل (جمعيّة الغدير)، رعيّة القديس إيتيان للروم الأرثوذكس، وكنيسة القديس جوليان الفقير للروم الملكيين الكاثوليك وغيرها... أماكن يضعها الدليل في إطار «الراحة الروحيّة».



الجمال بأنامل وطنية


صالونات العناية بالشعر ومعاهد الاهتمام بالبشرة والجمال، إنها من الضروريات، عادةٌ لا يمكن اللبنانيات الاستغناء عنها. ومن المعروف أنّ السيدات والصبايا في بلد الأرز لا يثقن إلا بأنامل مواطنيهن. هكذا، تلقى المعاهد التابعة للبنانيين رواجاً بين الجالية اللبنانية في باريس، من بينها Lilas rose وBeauty Success و A vous de plair، إلى جانب الصالونات كـElie d›Enzo و Samir.