إيلي شلهوب

مسكين حسني مبارك. صمت دهراً ونطق... «درراً». وكأنه لا يزال يعيش في زمن مضى، عندما كانت الفرائص ترتعد حالما يفتح الفرعون فاه، فكيف إذا هدّد وتوعّد. نسي، على ما يبدو، أن هذه الأيام قد ولّت منذ قرون. ربما كان مشهد الضباط والألوية، بنجومهم ونسورهم، المحفّز وراء شديد الكلام الذي أطلقه قبل يومين خلال الاحتفال بتحرير سيناء. قالها بثقة العارف العليم القوي الجبار: احذروا غضب مصر وشعبها... إننا واعون تماماً لمخطّطاتكم، وسنكشف تآمركم ونردّ كيدكم في نحوركم، وكفاكم تمسّحاً بالقضية الفلسطينية.
كان يتحدث عن إيران، التي وجّه إليها تهماً خمساً: «تعادي السلام» و«تدفع بالمنطقة إلى حافة الهاوية» و«تسعى إلى بسط نفوذها وأجندتها على عالمنا العربي» و«تغذّي الخلافات على الساحتين العربية والفلسطينية» و«تدفع بعملائها (أي حزب الله) إلى المنطقة لتهديد أمن مصر واستباحة حدودها وزعزعة استقرارها».
اتهامات يمكن إعادة صياغتها، بلسان صاحبها، على الشكل الآتي: نحن دعاة السلام وحماته، نراه أفضل خيار لعالمنا العربي، حيث الخلافات ما كانت لتتفاقم لولا تدخل الفرس وعملائهم من أتباع آيات الله وحزب الله، الذين يحملون زوراً راية فلسطين ويتآمرون على مصر وأمنها القومي. خطاب قائم على رؤيتين مترابطتين، تتعلق الأولى بالنظرة إلى إسرائيل والصراع معها، والثانية بالنظرة إلى إيران ـــــ الثورة ودورها في المنطقة.
لا بد هنا من تأكيد أن الرؤية الأولى لم تكن يوماً حكراً على مصر، وإن كانت هي أول من جاهر بها وطبّقها على أرض الواقع، بعدما قولبها في إطار نظري أسبغ عليه بعداً وطنياً. أصولها ساداتية، نسبة إلى أنور السادات الذي بدأ التنظير لها حالما وضعت حرب 1973 أوزارها: ترميم الكرامة الوطنية بتعظيم النصر انتقاماً للهزائم السابقة. التخلي عن البعد القومي تحت شعار مصر أولاً والملل من الحروب، التي أنهكت البلاد والعباد، وضرورة تأمين المستقبل. اكتشاف فوائد السلام، الذي سيؤدي إلى انهمار مليارات الدولارات على مصر وتحفيز التنمية والعيش في ازدهار ورخاء. نتيجتها المباشرة: اتفاقية كامب ديفيد.
اغتيل السادات (برصاصة خالد الإسلامبولي)، وخلفه مبارك في قيادة بلد أعادت إليه اتفاقية السلام هذه جميع أراضيه، وأمّنت له خاصرته بدعم واشنطن، التي فتحت له خزائنها. اتفاقية لا يحمل وزرها، وإن عزلته عن العالم العربي، الذي أدركت أنظمته أنها أصبحت عاجزة عن محاربة إسرائيل، تحت عنوان «لا حرب من دون مصر»، وبالتالي بدأت تُُعدّ العدة للسلام، عبر مراكمة أوراق القوة.
عندها، بدأ نظام مبارك ومنظّروه الترويج في الداخل لمقولة إن «العرب يريدون أن يقاتلوا إسرائيل حتى آخر جندي مصري وآخر جنيه مصري». أما في الخارج، فكان إشعاعه الحضاري يقوم على النظرية الآتية: عقيم كل من يفكر في خيار المواجهة العسكرية مع إسرائيل و«جيشها الذي لا يقهر»، تلك العبارة التي نجح الكيان الصهيوني في زرعها في الوعي العربي. وبما أن السلاح أداة خاسرة في الصراع مع هذه الدولة التي تحظى بدعم الغرب كله، وفي مقدّمه الولايات المتحدة، فيجب تحييده لمصلحة وسيلة أكثر نجاعة، ألا وهي التفاوض. ضرورة الالتزام التزاماً مطلقاً وعلنياً بالسلام خياراً وحيداً في محاولة لكسب الرأي العالم العالمي، الذي يستفزّه «إرهاب» المقاومة. كذلك يجب الإقرار بحق إسرائيل في الوجود، وفق ما تقرّه لها القرارات الدولية، أي ضمن حدود عام 1967.
«مدرسة كامب ديفيد» هذه وجدت عصرها الذهبي مع انهيار الاتحاد السوفياتي، وانتشار العسكر الأميركي في المنطقة في أعقاب حرب الخليج، فكان مؤتمر مدريد واتفاقات أوسلو ووادي عربة وأخواتهما...
في المقابل، كانت هناك مدرسة مضادة تنمو نمواً متزامناً في كنف آيات الله في طهران، حيث سمّي شارع باسم الإسلامبولي. كانت تعيد النقاش إلى بداياته: إسرائيل كيان غاصب، غدّة سرطانية يجب استئصالها من المنطقة. حقّقت انتصارات في الحروب السابقة لا لأنها قوية بل لأن العرب ضعفاء. لغة التعامل الوحيدة معها هي السلاح...
خطاب شبيه بخطاب جمال عبد الناصر، بل من منطوق ديني كربلائي، لا قومي. يحاول «كسر صنم الصهيونية»، على حد تعبير محمود أحمدي نجاد، بمعنى استنهاض الوعي العربي الذي نجحت إسرائيل في كيّه، وذلك عبر إسقاط جميع الأفكار التي عُدّت لعقود مسلّمات.
مدرسة بدأ عصرها الذهبي في عام 2000، يوم هرول جنود الاحتلال إلى خارج لبنان، وبلغ أوجه في تموز 2006، مع هزيمة الغزاة على تراب الجنوب.
بهذا المعنى فقط، يمكن فهم عداء النظام المصري لإيران وحزب الله. فإذا كان موقف السعودية، على سبيل المثال، منهما مبنياً على حسابات مذهبية وعرقية يمكن تلطيفها، بل حتى تجاوزها، عبر الحوار والتسويات، فإنه في الحالة المصرية عبارة عن صراع على الرؤية الجيو سياسية للمنطقة، يقف كل منهما في خلاله في الموقع المواجه للآخر. صراع لا مكان فيه للحلول الوسط، ذلك أن كلّاً منهما يلغي الثاني.
كم هو معبّر إدلاء مبارك بدرره تلك، مع عودة مدير استخباراته من إسرائيل، ودعوة أحد وزرائه المسلمين إلى زيارة القدس «ولو بتأشيرة دخول إسرائيلية».