هذه قصّة قصيرة أو طويلة. أحداثها وتفاصيلها من نسج خيال الكاتب. وليس التشابه (وهو للرمال كما قال محمود درويش) بين بعض الأحداث التاريخية وسياق الرواية إلا من باب المصادفة. أمّا الإشارة إلى بعض الأسماء المعروفة، فهي أيضاً محض رمزيّة. أي إن الإشارة إلى فؤاد بطرس قد تكون إشارة إلى شفيق الوزان، أو العكس


أسعد أبو خليل*
في ذكرى الحرب الأهليّة في لبنان يكثر التكاذب ويزدهر التزوير ويكثر التلويح بأعلام الأرز والبلوط. تُعقد حلقات الدبكة ويتكثّف الكلام الذي يشبِّه لبنان بعواصم يقطن فيها الرجل الأبيض. ميشال سليمان زها بتشبيه لبنان بباريس وسويسرا في خطاب واحد. أما سمير فرنجية (العازف عن خوض الانتخابات لأن أهله في زغرتا نبذوه على ما يبدو) لا ينفك عن التصريح: أن لبنان ليس «مثل مجاهل أفريقيا». أما جريدة «النهار» (ذات الباع الطويل في الطائفيّة والعنصريّة والعنجهيّة والنخبوية الشوفينيّة واليمينيّة ـــــ الظاهرة أحياناً والمُستترة حيناً آخر ـــــ والاستعلائيّة الطبقيّة، والحريصة تاريخيّاً دوماً وأبداً على الترويج الرخيص لكلّ إدارة أميركيّة حتى في العصر البوشي، إلى درجة أنها جعلت أخيراً من طائرة صغيرة تُستعمل لرش المبيدات في أميركا «طائرة عسكريّة»، فقط لتحسين صورة عطايا الولايات المتحدة إلى لبنان) تتذكّر المناسبة على طريقتها فتختلق رواية مُبتكرة لشرارة الحرب تختلف عن ذاكرة الإنسان وعن الوقائع التاريخيّة التي لم يمرّ عليها الزمن، ولم يعف. هذه السنة، جعلت جريدة «النهار» من بيار الجميل الجدّ (المُنبهر بتجربة الشبيبة النازية في ألمانيا وإيطاليا كما اعترف هو في عدد «العمل السنوي» لعام 1966) متنسِّكاً ووادعاً يصلّي ورعاً في كنيسة في ضاحية بيروت عام 1975 عندما تعرّض لاعتداء مزعوم (لم يثبت قط أن بيار الجميّل تعرّض بالفعل لمحاولة اغتيال صبيحة مجزرة عين الرمّانة، لكن ماكينة تصنيع الأكاذيب وبخّها تعمل بطاقة مضاعفة في ذكرى الحرب). وجريدة «النهار» قرّرت أيضاً هذه السنة أن ضحايا البوسطة في عين الرمّانة كانوا مسلّحين مدجّجين من الجبهة الشعبيّة ــ القيادة العامة، وأن فوهات بنادقهم كانت تطلّ من نوافذ البوسطة إمعاناً في استفزاز الكتائبيّين وفي استجداء رصاصهم. الرواية الرسميّة التي بثّها رشيد الصلح أمام مجلس النواب لا قيمة لها في جريدة تحرص على الدعائيّة في عصر جرائد تنضح نفطاً وسخاً وضخّاً من عواصم الرجل الأبيض. ولكن في ذكرى الحرب، يجب أن نذكره ــ ذاك الرجل الخفي، وأن نذكر دورَه المُغيّب.
من منكم قابل الرجل الخطير ومن منكم لم يسمع به؟ وصلت سمعته إلى قارات خمس أو أكثر. معروفٌ ومجهول هو. مَن منكم صافح الرجل الخطير أو صادفه في شارع؟ لو سألتم عن الرجل الخطير لما علمتم شيئاً عنه. لكن أنتم تنعمون بفعله وإن كنتم جاهلين. وهو بعيد عن الاحتفاليّة وعن الإعلام. بعيد عن كل هذه المعمعة. هو غير معروف أو ظاهر. ولكن قد يُكتب لمسخ الوطن أن يستقلّ حقيقةً يوماً لو أنه نُصب للرجل هذا تمثالٌ من مرمر ووُضع في كل الساحات. لو أن الوطن استقلّ فعلاً لرأيتم تماثيل منتشرة له في كل مكان، ولرأيتم اسمه يستبدل أسماء شارل مالك وألفرد نقاش (والأخير كان صهيونيّ الهوى قبل إنشاء دولة العدو) ومجيد أرسلان ـــــ والأخير كان من إسهامات لبنان في الصراع مع إسرائيل ـــــ يا لخجلتنا من شعب فلسطين! لو أن لبنان وطن، لتصدّرت صورة الرجل الخطير أغلفة الكتب المدرسيّة.
وحدثُ الرجل الخطير هو دليل أن التاريخ ـــــ وإن تطوّر ماركسيّاً عبر صراع الطبقات أو هيغليّاً عبر التصاعد اللولبي للديالكتيك الفكري ـــــ يمكن أن يتطوّر ويخطو مسرعاً بساعد واحد، أو ساعديْن. لا أكثر. لا يحدث ذلك عادة. ليس ذلك أمراً اعتياديّاً أو عرضيّاً. لكنها لحظات نادرة وفي منعطفات «مصيريّة» كما يسمّونها في لبنان للإبهام. ليست هي نظريّة انعطافات الطريق أو نظريّة «لو»، لكنها قد تماثل ما سمّاه ماركس «لحظة الحماسة». هي تلك. في لحظة الحماسة الحاسمة يتقدّم واحد أو واحدة ليقرّرا عنا وعنكم وعنكنّ. هو فعل ذلك من دون وجل أو تردّد أو التباس. فعل بالنيابة عنكم وعنكن. فعل فيما نام غيره أو قعد.
الرجل الخطير كان (في جانب منه فقط) مضطرباً دائماً. لم يكن يشكُ من أمراض ولم يعانِ مشاكل ماليّة ولم يشغله الصراع بين العصابات في الأحياء في سنوات الحرب الأهليّة. وكان صافي الذهن، قرير النفس. كان من صنف آخر. الرجل الخطير لم يحلم بالأرزة ولم يتغنّ بها يوماً. شجرة البلّوط وشجر الأرز وشجر الكرز عنده سيّان. كان يحلم بعلم غير العلم الذي وضعه صائب سلام وسعدي المنلا بوحي من علم استعماري. لم يؤمن أساساً بكينونيّة مسخ الوطن وكلام اتفاق الطائف عن سرمديّة الكيان (وهو مستقى من ترهات «سيدة البير» ـــــ وهو غير البير الذي أنشد عنه وديع الصافي) قزّزه ونفّره من الكيانيّة أكثر من قبل. الرجل الخطير لم يكن منتمياً إلى طائفة: لقد نبذ الطوائف كلّها. هجرها من دون أن يدخلها أو ينتمي إليها واحدة واحدة. ولم يلتق الرجل الخطير برجل دين واحد ولم يطلب بركتهم. لعلّه قرأ ما قاله روبسيير أو الشدياق عن الإكليروس. للرجل الخطير هموم: وهي كانت كثيرة، لكن هموم الرجل كانت من نوع آخر.
والرجل الخطير لبناني، لكن من نوع آخر. نشأ في لبنان، مختلفاً. نشأ في لبنان، لكن غير لبناني. لم يقبض كيانيّة لبنان ولا لحظة. سخر منها. عندما كان يقف الجمع تحيّة للنشيد الوطني كان هو ينشغل بعدّ العصافير حوله أو بتقليم أظافره بأسنانه. وعندما كان يُطلب منه التلويح بعلم صائب سلام وسعدي المنلا، كان يلوّح بأقرب كوفيّة فلسطينيّة. بالنسبة للرجل الخطير، «لبنان...آخراً» لا أولاً. إنه يربط شعار «لبنان أولاً» بالمرحلة الإسرائيليّة في لبنان. لبنان آخراً لأنه كان مع تفتيت الكيان وتذويبه لا في الأنظمة الشنيعة التي تحيط بلبنان بل في كيان فسيح أوسع وحرّ، في كيان يستبدل ويتخطّى الأنظمة المحيطة. وهو لم يُخدع يوماً: لم يظن ولو ليوم أن لبنان هو حرّ. أكاذيب حكايات الاستقال وأبطال الاستقلال ورجالات الاستقلال وزيارة قلعة راشيا من قبل فريق من الساسة الذين امتهنوا الطأطأة أمام أقدام المستعمر الفرنسي الذي أتى بمعظمهم إلى حلبة السياسة، لم تنطل عليه يوماً. انطلت على غيره، لا عليه.
عاش الرجل الخطير سنوات الحرب وعرف فصولها وآلامها وانتصاراتها (لم تكن كل فصول الحرب بشعة عنده) وتقلّباتها. وهو، «بحكم العمل»، تنقّل أثناء الحرب بين بيروت الغربيّة والشرقيّة. لم يكن بعيداً عن الحرب لكن الحرب أفرزت ميليشيات وعصابات كما أفرزت عقائد ومقاومات (ليست من نوع الميليشيات التي أنشأتها إسرائيل في لبنان وزرعتها بأسماء مختلفة، بما فيها تلك العصابة الحربيّة التي ترأسها النازي اللبناني الصغير في بيروت، والتي كانت تأتمر بقرارات من تل أبيب). ولم ينتم إلى عصابة شاكر البرجاوي أو إلى الدكاكين التي زرعها ياسر عرفات في كل الأحياء والأنحاء والقرى. لم يتخصّص في السرقة والتشبيح التي برع بها غيره. لكن الرجل الخطيركان مع الحسم العسكري. كان يرى أن فريقاً من اللبنانيّين استسهل التحالف لعقود مع إسرائيل وأنه يجب عقاب هؤلاء للتاريخ. كان يريد أن يكسر شوكة هؤلاء حتى لا يستسهل أحدٌ إطلاقاً التحالف مع أعداء «الأمة». وقف بوجه مشروع الرجل الخطير للحسم العسكري عاملان: النظام السوري كان يعارض الحسم العسكري في لبنان، وقد قتل (على الأرجح) كمال جنبلاط عندما توصّل الأخير (متأخراً بعض الشيء) إلى استنتاج ضرورة الحسم العسكري مع الانعزاليّين. أما العامل الثاني فتمثّل في قيادة ياسر عرفات الذي كان هو أيضاً (لأسباب مختلفة تتعلّق بالنفوذ الذي أراد المحافظة والمقايضة عليه) معارضاً للحسم العسكري. الرجل الخطير كان يريد الحسم، وباكراً. هؤلاء لن يرعووا ولن يكفّوا عن غيّهم، كان يقول. أصدّهم بصدري أو بعنقي، كان يناشد مَن يسمع.
لكن هناك من يقول إن الرجل الخطير لم يصبح خطيراً إلا في 1977. لقد قرّر أن السلام مع إسرائيل لن يسري على لبنان. بينما كان الجميع حوله متسمّرين حول شاشة التلفزيون ليروا السادات وهو يهبط سلّم الطائرة بابتسامة صفراء، خرج الرجل الخطير منالمنزل. لم يقو الرجل الخطير على متابعة الحدث تلفزيونياً. قرّر أن هذا لن يسري في موطنه. لن يصبح التعامل والتعاون مع العدو حدثاً عاديّاً كما هو في مصر والأردن وفي رام الله. الرجل الخطير لم يقبل يوماً الحديث عن دولة فلسطينيّة مسخ: بالنسبة له كل كلام لا ينطلق من رفض الكيان الصهيوني في المطلق وتحرير كل فلسطين هو لغو في لغو. قرّر الرجل الخطير ألا ينطلق سادات آخر من لبنان، رغم وفرة الطامعين بالدور. الرجل الخطير مشى دون أن يتوقّف يوم وطئ السادات أرض المطار في إسرائيل. مشى من تطوان إلى جدة في ساعة أو ساعتيْن. هناك من يبالغ ويزعم أنه مشى المسافة في دقيقة أو دقيقتيْن، لكن الرجل الخطير دقيق. يومها، شعر الرجل الخطير بأنه يسبح في الهواء.
في الأيام العاديّة، كان يذرع الأرض بخطواته الثابتة. كان مثل راسكولنيكوف في رواية «الجريمة والعقاب»: يعدّ خطواته واحدة واحدة ويقيم تعداداً لأنفاسه. كان وقع أنفاسه مسموعاً أحياناً، ولكن ليس في كل وقت. كانت الشمس تسطع على شعره فتحيله برّاقاً ولم تكن الريح تلويه، ولا الأعاصير. كان يبدو ـــــ لمن لا يعرفه عن كثب ـــــ مضطرباً جداً. لم يصدّق ما فعلوا به. أقاموا الدنيا فوق رأسه ولم يقعدوها. كان يظن أنه هادئ الطباع مسالم، لكنهم استفزّوه. أرادوا أن يطبعوا موطنه بوصمة الإسرائيلي. دعوا جيوش العدو الإسرائيلي إلى لبنان وأرادوا أن يقيموا مستوطنات إسرائيليّة وكتائبيّة وقواتيّة وشمعونيّة في وطنه هو. لم يرد أن يتحمّل فوق طاقته. كان يمشي ذهاباً وإياباً ويحسب الحساب ويعدّ الأيام والليالي. قرّر أن لياليه لن تطول مثل ليالي شهرزاد. لم يفهموه ولم يصدّقوه. ظنّوا أنهم يستطيعون أن يعيدوا رسم الخريطة وتقاسيم الوجه وأن يضعوا عينين ملونتيْن محلّ عينيْه. لم يكن أزرق العينيْن. كان يرفض الحاضر ويرفض أن يرى العلم الإسرائيلي. الرجل الخطير كان يقول إن العلم الإسرائيلي هو للحرق. وعندما يكلّمه أحدهم عن «الحضاريّة» في النضال كان يرحل بعيداً. كان البعض يسأله عن هذا الليبرالي الوهابي أو ذاك، وكان لم يسمع بواحد منهم.
الرجل الخطير لم يقتنع يوماً بأن العدو هو إسرائيل وحدها. وماذا عن أعوان إسرائيل بين ظهرانينا؟ كان دوماً يردّد. وهل أعوان إسرائيل بيننا أصدقاء؟ كانت المسألة مزعجة له. ثم، كيف يمكن العدو أن يجتاح وأن يسود وأن ينتشر من دون أعوان الداخل؟ وسألهم أكثر من مرّة: هل كانت النازية استقرّت تلك الحقبة في فرنسا لولا أعوانها من الفرنسيين؟ وهل تعاملت المقاومة الفرنسيّة التي أمعنت تقتيلاً ومن دون هوادة بالمتعاملين تعتبر هؤلاء أصدقاء؟ وكان يشير إلى حواجز مشتركة أٌقيمت في لبنان بعد اجتياح 1982 بين إسرائيليّين ولبنانيّين. مَن هؤلاء؟ أصدقاء؟ أبناء في الوطن؟ «فشر». (والكلمة الأخيرة له).
كانت أنفاسه تضيق وكان يحصي جنود العدو عندما يراهم يتجولّون في أرضه. تلك اللحظات، كان الرجل الخطير يدخل ما يسمّونه في صنع الأفلام «الحركة البطيئة». كانت السيّارات تبدو كالسلاحف والطائرات مثل مسير الزواحف. مَن هؤلاء الواقفون على أرض الرجل الخطير؟ الذين سرقوا أرض فلسطين وزيتونه وروّعوا أهلها بالمجازر؟ كان يمشي ويعدّ مجازر إسرائيل الواحدة بعد الأخرى. والرجل الخطير لم يكن مثل جبران باسيل أو مي شدياق يردّد ترهات عن بيع شعب فلسطين لأرضه: كان يعلم عن بيع لبنانيّين (من آل تيان وتويني وسرسق وسلام) أراضيَ في فلسطين. لم يصدّق ما رأته عيناه عندما شاهد جنود العدو في شوارع حفظ تضاريسها عن ظهر قلب. رجل قرّر العمل على تحرير فلسطين بات يرزح تحت احتلال إسرائيل للبنان؟ تضاعفت مهماته منذ تلك اللحظة اللعينة. لو كان له أن يصرخ، لصرخ، لكن الصراخ لم يكن من طباعه. كان يكتفي بالتفكير العميق والتأمّل والتبصّر في القرار. ثم كان ينصرف للتخطيط. وعندما كان ذلك النازي اللبناني الصغير يهدّد الأبناء والبنات في بلده بـ«القرار»، مشيراً لاحتلال إسرائيلي قادم للبنان، كان يقول له من دون أن يراه أو يسمعه: لكن القرار ليس لك أنتَ يا فتى. القرار لن يكون لك.
وعندما كان يسمع النازي الصغير ينفي تهمة التعامل مع إسرائيل كان يشمئز. وعندما طالبه وفد الجامعة العربيّة برئاسة سعود الفيصل (داعي الفتنة) بقطع العلاقة مع إسرائيل، قال إن لا علاقة له بإسرائيل وإنه وطني لبناني. لم يكن الرجل الخطير ينصت للنازي الصغير وهو يلقي خطبه. كان يحدّق إليه بهدوء وبغضب دفين، من دون أن يسمع كلامه. كان يقول إن كلامهم وارد في صحف عبريّة، وأنه يكفي أن تقرأها لتعرف ما يدور في خلدهم المأجور. كان يقول إن النازي الصغير في لبنان يتقيّأ كلاماً عن لبنان، كلاماً يأتيه مع دستة أوامر عبر الحدود. وعندما كان النازي الصغير يتقيّأ كلامه عن الوطنيّة وعن مساحة لبنان، كان الرجل الخطير لا يقول شيئاً على الإطلاق. علم في ما بعد أن النازي الصغير استُدعي إلى الرياض من أجل مباركته سعودياً والترويج له عربيّاً. وقد مدَّه «وكيل» الأمير سلطان في لبنان، صائب سلام، بالشرعيّة الإسلاميّة الطائفيّة من أجل تسهيل تسويقه في كل لبنان. أما آخر خاتم زعماء الإقطاع الشيعي المتخلّف في لبنان، فأفتى بشرعيّة «الانتخاب» في وجود الاحتلال الإسرائيلي بعد أيام فقط من فتوى له بعدم جواز الانتخابات الرئاسيّة في ظلّ الاحتلال. يريدونني ألا أعادي هؤلاء، كان يقول في قرارة نفسه.
الرجل الخطير عاصرهم كلّهم وشهد خداعهم ورياءهم وتقلّباتهم. الرجل الخطير كاد أن ينفجر للمرّة الأولى في حياته عندما رأى صفوفاً من السياسيّين يطلبون بركة النازي الصغير. يذكر الرجل الخطير أن محمد صفي الدين وسليمان العلي وغيرهما من بقايا إقطاع مُحشرج كانوا يتسابقون للقاء النازي اللبناني الصغير. شارل رزق لم يزره إلا في صندوق سيّارة لكنه اختلق صداقة معه في ما بعد لعلّ ذلك يقرّبه من الرئاسة. والمسافة بين شارل رزق والرئاسة هي مثل المسافة بين محمد دحلان والفضيلة. فؤاد بطرس (حامي الطائفيّة كما يبرز في مذكرات سليم الحص وكريم بقرادوني) تبنّى ترشيح النازي الصغير فقط عندما تعرّض لمحاولات اغتيال على يده. لكن الرجل الخطير لم يستسغ فؤاد بطرس يوماً: إنه يذكّره وهو جالس بذل، كيف جلس مع عبد الخليم خدّام لتوقيع الاتفاق الثلاثي. فؤاد بطرس وافق على الاتفاق الثلاثي وهو مثله مثل الآخرين يختلق البطولات في مواجهة النفوذ السوري. فؤاد بطرس الذي أصيب بالصمت عندما اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982. الرجل الخطير لم يفهم يوماً الصعوبة عند البعض في قول الحقيقة وفي التعبير الصادق عن المشاعر والآراء. لا يقرّر الناس العيش أحراراً مثل الرجل الخطير.
الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 يؤرق الرجل الخطير، قبل حدوثه وبعده وأثناءه. لا يزال يذكر أعوان العدوان واحداً واحداً وواحدة واحدة ـــــ حتى لا ينسى من أعد الأطباق لشارون. يعلم هو أن أعوان العدوان أتوا من كل الطوائف والحركات والمناطق. من غير الرجل الخطير يذكر دور لبيب أبو ظهر مثلاً؟
قرأ الرجل الخطير أخيراً أن نائبة في البرلمان اللبناني كانت تعدّ الأطعمة اللبنانيّة (والسوريّة من دون علمها) لأرييل شارون. عندما قرأ ذلك، شتم الرجل الخطير 128 نائباً لبنانيّاً. 128 شتيمة مقذعة أطلقها الرجل الخطير. شتم الرجل الخطير كلّ من لم يطالب بتوقيف تلك المرأة وسوقها حليقة الرأس (كما فعلت المقاومة الفرنسيّة بالمتعاملات مع الاحتلال النازي) إلى محكمة، حتى لو ميدانيّة. الرجل الخطير لا يسامح ـــــ ليس ناسكاً ولا يحمل عطايا ربّانيّة ليوزّعها بالقسطاس. في ما يتعلّق بالتعامل والتعاون مع إسرائيل، لا يؤمن الرجل الخطير بالغفران ـــــ لا بل هو ينبذ الغفران. يسمع الرجل الخطير كلاماً عن الحياد من رئيس مُعيَّن من قبل احتلال إسرائيل. يذكر الرجل أن هذا الرئيس وعد إسرائيل في قصر بكفيا في لقاء مع قادة العدو بإعطاء العدو أكثر ما أعطاه أخوه من قبله. لم يتعلّم الدرس بعد، يتمتم الرجل الخطير. لم يرعوِ. ويعلم هو أن العائلة التي أفسدت لبنان سياسياً واقتصادياً وثقافيّاً منذ الثمانينيات هي التي أنعشت هذا الرئيس الأسبق في السنوات الأخيرة.
لا تستفزّوا الرجل الخطير فهو يهدر عندما يغضب. الرجل الخطير حرّركم وإن كنتم لا تدرون، وإن كان هو متواضعاً لا يطلب معونة أو وساماً أو تقديراً. لا يرى عظمة أو كبراً. لم يكن له أن يعيش في العصر الإسرائيلي. لا، لقد قرّر بحزم أنه لن يعيش في العصر الإسرائيلي. وكان للرجل الخطير ما أراد. ولكن لو مررت بقبر الرجل الخطير فلن تستطيع أن ترمي وردة أو أن ترفع قبّعة أو تلقي سلاماً أو احتراماً. لن تجد قبراً للرجل الخطير لأنه حيّ. هو حيّ رغم أنف أعدائه ـــــ أصدقاء إسرائيل في لبنان. وهناك من يقول إنه رأى الرجل الخطير يمشي الهوينا على الكورنيش ولكن لا دليل قاطعاً على أن الرجل الخطير قد عاد. إنه يسرح.
* أستاذ العلوم السياسيّة
في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)