لا شيء في مسيرة الفتاة الخارجة من رحم الطبقة الوسطى، يشبه الأفلام. اعتزلت الغناء لأنّها تريد إبقاء قدميها على الأرض. أعطت التمثيل الكثير من مجهودها، وحصدت النجاح في أدوار ما زالت محفورة في ذاكرة الجمهور. واليوم تخصص المساحة الكبيرة من وقتها لابنتيها

إيمان الجابر
في غمرة النجاح والانشغال في العمل، سألت أمل عرفة نفسها: «مَن أنا وأين هي حياتي الخاصة؟». صوتٌ داخلي قال لها: «أنت دنيا وعشتار وفضّة وسمر...». لكن، قبل أن يكمل ذلك الصوت تعداد الشخصيات التي أدّتها خلال مسيرتها، صاغت النجمة السؤال بطريقة أخرى: «كيف مضى كل ذلك الوقت وأنا أعيش حياة الآخرين، وأنسى أن أعيش حياتي؟». طرحت أمل ذلك السؤال المصيري على نفسها في لحظة صحو من الانقياد الكلي نحو التمثيل. وكما يحدث في الأفلام، كان القدر حاضراً في الوقت المناسب ليجمعها بمن ستحب وتتزوج وتنجب منه ابنتيها: سلمى ومريم. سيناريو كتبه القدر، وأسند فيه البطولة المطلقة لأمل عرفة والممثل عبد المنعم عمايري.
في السيناريو نفسه، «فلاش باك» يحيلنا إلى ماضي البطلة. نرى طفلةً صغيرةً تلعب في بيت كل شيء فيه بسيط: أبوان، إخوة وأخوات وخالات وعمّات، ضيوف وجيران، ورائحة قهوة الصباح. في بيت الملحن المعروف سهيل عرفة، كانت الابنة تلتقي وديع الصافي على مائدة الغداء أو فيلمون وهبي على العشاء. هذه الأجواء جعلت أمل لا تنبهر بالنجوم، بل تعلّمت كيف تراهم بشراً يضحكون ويغضبون، ويمشون على الأرض!
عندما صارت هي بدورها نجمة، أرادت أن تبقي قدميها على الأرض، أن تلتصق بكل تفاصيل الحياة الواقعيّة. من تلك التفاصيل، راحت تلتقط ملامح شخصياتها. «أرى وجوه شخصياتي في الشارع وبين أهلي وجيراني، وأستوحي من طريقة تعاطيهم مع الحياة».
لكنّ البيت الفني الذي تربت فيه أمل بقي بيتاً تقليدياً: زوج يهتمّ بشؤون بيته، يصعد إلى الطابق الثالث في المبنى الذي يسكنه وهو يحمل الأكياس، وزوجة تفني حياتها في خدمة عائلتها. انتماء أمل إلى الطبقة الوسطى، جعلها تهجر عالم الغناء، حيث تظهر المطربة دائمة الجمال والفتنة، تركب «الليموزين»، وتصحو من النوم في فيلا كبيرة وعلى سريرها وردة حمراء، وتتناول «الكورن فليكس» على الفطور وتمضي ساعات طويلة وهي تمارس الرياضة. «أنا أميل إلى الشارع وناسه، إلى نبضه وإيقاعه. فيما الوسط الغنائي، كما هو اليوم، لا يتيح لي أن أراه وأتعامل معه إلا من برجي العاجي».
تركت النجمة ذات الصوت العذب عالم الـ«فيديو كليب» والسفر والنوم في النهار والسهر في الليل... فسخت عقدها مع شركة إنتاج غنائية عام 2001 منهيةً فصل الغناء من حياتها، وحُلم والدها بأن تصبح مطربة من الدرجة الأولى في العالم العربي. لكنّ الملحن العتيق لم يتألم لذلك كثيراً، وخصوصاً أنّ نجاح أمل في الدراما كان كبيراً، بل قال لها بفرح: «ألم أقل لك إنّك تغنين جيداً؟ وأنت تمثلين جيداً أيضاً». والدها هو مَن اكتشفها ودعم موهبتها. إذ اقترح عليها دخول «المعهد العالي للفنون المسرحية». تقول أمل عرفة: «لقد بنى شخصيتي بطريقة حضارية كأنّه متخرج من أرقى الجامعات». لكنّ سهيل عرفة لم يكن كذلك، إذ ترك المدرسة بعد موت والده لكي يعيل أسرته، من دون أن يهمل تطوير نفسه معرفياً.
ولوالدتها أثر كبير أيضاً في حياتها. عنها ورثت الصوت الجميل والحنان و«الحنبلية». «أمي كانت امرأة تكره الغلط، وكلمة كذب غير موجودة في قاموسها». بقيت تعدّ «السندويتش» لطالبة المسرح حتّى سنتها الجامعية الرابعة، كي لا تأكل في الخارج! رحيل هذه الأم في عام 2007 كان أقسى ما واجهته أمل في حياتها. «اكتشفت أنّ الحياة مزحة كبيرة دمها ثقيل. بموتها، أُغلقت آخر أبواب الرحمة. أنا مؤمنة، لكن لم تعد هناك أم تدعو لي». عزاء أمل الوحيد هو أنّ والدتها عرفتها أمّاً، ورأت ابنتها سلمى، وتشعر بفرح غامر عندما يقال لها: «تطبخين مثل أمك».
تخرجت أمل مع بداية نهوض الدراما السورية في التسعينيات. كانت محظوظة بتزامن تخرّجها مع تلك الفورة. «خدمني الحظّ بالطبع، إلا أنني كنت أستحقّه». وبالفعل كانت أمل جديرة بالكثير من الفرض المهنيّة. هكذا، حقّقت نجاحاً في عملين مختلفين خلال عام واحد، هما مسلسل «الجوارح» التاريخي لنجدة أنزور، و«عيلة خمس نجوم» الكوميدي لهشام شربتجي... كما لفتت الأنظار أيضاً بدور الغجريّة «فضّة» الذي أدّته في مسلسل «خان الحرير» لهيثم حقّي.
مع الوقت، أخذت أمل عرفة تصنع فرصها وحتّى شخصياتها، كما حصل مع «دنيا» التي كتبتها مع المخرج عبد الغني بلاط. وما زال المسلسل الذي حمل اسم بطلته يعرض على الفضائيات العربية باستمرار. كما أثبتت عرفة موهبتها في الكتابة من خلال مسلسل «عشتار» لناجي طعمة. «أنا لست فنانة مسترخية أجلس في بيتي وأنتظر فرصي». هذه الفنانة المسكونة بقلق دائم، تعشق مهنتها وتكره الانتظار، وتبحث عن مساحات لتطور نفسها، وخصوصاً أنها لم تعوّل منذ بداياتها على شكلها الخارجي. إن وعيها الفني المبكر جعلها صاحبة مشروع في مجال التمثيل، لا تتحكم فيه مراحل العمر المختلفة.
اللافت في أمل عرفة، أنّها تدافع عن الأدوار التي أدتها بغضّ النظر عما إذا كانت الشخصية سلبية وغير محبوبة. التمثيل لعبة بينها وبين المشاهد. تقول له: «تعال شاهدني كيف ألعب، اكرهني واختلف كشخصية معي، لكن أحببني كممثلة». هكذا، تتآمر مع شخصياتها فيصعب على المشاهد أن يحزر متى تكون أمل ومتى تكون «هنّ». «أعطي الشخصية كل ما أقدر عليه من طاقتي ومخزوني المعرفي وبحثي وهي تعطيني مفاتيحها».
وحده الحديث عن ابنتيها، يجعل عيني أمل تشعّان. «النجمة» أم أيضاً وأوّلاً، تراها في منزلها الأنيق والدافئ، من دون ماكياج. تنهض بين الفينة والأخرى لتراقب طفلتها الصغيرة مريم، إن كانت تحتاج هدهدة أو لمسة أو تنغيمة من صوتها العذب. ثمّ تقف على النافذة لتراقب الطريق لأن سلمى قد تأخرت ثوانيَ في طريق العودة من المدرسة. تبلغ سلمى اليوم ثلاث سنوات ونصف سنة، وولادتها كانت الفرحة الكبيرة في حياة أمل، وهي تعرف جيداً متى يجب أن تكون حاضرة للإجابة عن كل أسئلتها التي لا تنتهي: «اكتشفت الحياة مع ابنتيّ... يا لطيف كم هي جميلة الدنيا، وكم أنا بحاجة إلى الاعتناء بنفسي من أجل سلمى ومريم... الأمومة هي الحقيقة المطلقة في الحياة».



5 تواريخ

1970
الولاة في دمشق

1991
تخرجت من «المعهد العالي للفنون المسرحية»

1999
حققت نجاحاً في مسلسل «دنيا»

2007
وفاة والدتها وحصولها على جائزة «أدونيا» لأفضل ممثلة عن دورها في مسلسل «حسيبة»

2009
أنجبت طفلتها الثانية مريم وهي في صدد إنهاء كتابة مسلسل جديد