وائل عبد الفتاح

تخترع الدول العربية شياطينها الآن، بطريقة مثيرة للدهشة. المغرب انزعج ممّا وصفه «مخططات إيرانية لنشر المذهب الشيعي»... ربما كانت هذه مجرد هلوسات استخباريّة ينتقل فيها الهوس إزاء الشيطان الإيراني، من أجندة المشرق، إلى المغرب العربي. وربما كان هناك جناح نشيط في مصانع تصدير «المذاهب والثورات»، لا يزال يعمل بصورة التقطتها الأجهزة الحسّاسة في المملكة.
لكن المثير للتأمل هو بيانات شبه رسمية نُشرت على لسان مصادر مطلعة تفيد بأنّ «المغرب اتخذ قراره بعد تتبّع دقيق لمحاولات إيران ضخّ أموال ضخمة في المغرب لتشييع  مجموعة من المغاربة من طريق الإغراء المالي واستغلال مهاجرين مغاربة أو من حملة الجنسيات الأوروبية لهذا الغرض».
فسّرت المصادر سرّ الانزعاج بأن «التشييع بالنسبة إلى العقلية المغربية يمثّل خطراً مثله مثل التنصير أو حتى التشفيع والحنبلة، نظراً لاعتزاز المغاربة بالمذهب المالكي». ليس هذا فقط، يتابع المصدر، فهذا الاعتزاز بالمذهب، «يصل إلى درجة الدفاع عنه كالتراب الوطني...».
الغريب أن المصادر المطلعة أضافت في نهاية بيانها شبه الرسمي سبباً آخر، هو «تدخل إيران في قضية البوليساريو، وهي الأخرى تُعدّ خطّاً مكهرباً لدى الشعب المغربي». أصبح الدفاع عن المذهب في أولويات الأجندة المعلنة للدول العربية. لقد تنحّى الهدف السياسي، ربما لأنه أقل جماهيرية. والدول العربية تتسول الجماهير في حروبها المقبلة من أجل البقاء.
دول منقرضة كانت حصيلتها طوال الخمسين سنة في مرحلة ما بعد الاستعمار، تقريباً لا شيء على مستويات الديموقراطية والتنمية وبناء مجتمع مدني. دول يمكن تفسيرها بالعقد الفرويدية. تعود إلى طفولتها: دول أوديب والأخرى إلكترا. هوس يجعل الاستخبارات تقود الدول. الهستيريا تحكم مواقفها: قطع علاقات وتصريحات نارية واتهامات. خطاب مشحون بانفعالات زائدة، وإحساس متضخم بأن العالم مقبل على مرحلة «سفينة نوح» والسياسة هي بحث عن مكان على وشك الضياع.
هناك أجندة خفية لبناء تحالفات إقليمية جديدة في المنطقة. محور منها يمتدّ من السعودية ومصر إلى المغرب مروراً بدول عربية تدخل تحت معطف ما كان يُسمى «الاعتدال العربي». بينما تجتذب إيران، دولاً وتنظيمات ما كان يسمى أيضاً «الممانعة العربية».
المحاور الحالية سرية، لأنها قيد التكوّن. والأهم أنها صدى لصراعات إقليمية ودولية على أكثر من مستوى: الأول صراع واشنطن ــ طهران، ويدور حول رغبة إيران في دخول النادي النووي بلا وصاية أميركية. الصراع الثاني: طهران ــ أنقرة على زعامة الكتلة المسلمة في العالم... والقوى المسيطرة على المنطقة.
طهران طرف في صراعين إقليمي ودولي، وهذا ما يسهّل «تصدير» شيعيتها على برنامجها السياسي، ويسهّل أيضاً حشد جماهير المذاهب وراء أنظمة مرعوبة من نهاياتها. الأنظمة في دفاعها عن نفسها، توقظ «المذهب» و«العصبة»، لأنها لم يعد لديها شيء آخر.
أسباب قلق المغرب من إيران، سياسية (منها دعم البوليساريو). لكن لماذا استخدمت فقط المذهب، وهي الدولة العربية الوحيدة التي لا تخجل من وجود يهود في مجتمعها ونخبتها السياسية؟ المغرب مزاجها السياسي أبعد عن التعصب السياسي أو المذهبي. وهي أكثر ليبرالية من حليفاتها في المشرق والمغرب. وعصبيتها الأخيرة مؤشر على مرحلة استحضار شياطين الطوائف.
مرحلة عصيبة، دخلتها مبكراً مصر والسعودية المعتدلتان في مواجهة إسرائيل، والمتوترتان في التعامل مع إيران. عندما زار خاتمي مصر قبل عامين تقريباً، قوبل بالتصفيق عندما قال إنّ «مصر وإيران هما جناحا الأمة الإسلامية، بدونهما لا يمكن أن تطير». يومها، تحدث خاتمي بذكاء عن الشوق إلى مصر، والرغبة فى السكن فيها. وحكى عن محاولته للتقارب التي واجهتها قوة خفية «هي ضدّ مصلحة إيران ومصر في الوقت نفسه».
هناك شحن لحرب على المذاهب، من يشعلها؟ هل وجود إيران الشيعية وحزب الله الشيعي كقوى تعلن العداء لأميركا وإسرائيل هو مثير للخوف؟ بالتأكيد، فهذا العداء هو السحر الذي يحرك الجماهير من المحيط إلى الخليج. والجماهير المسحورة لم تدرك أن أبطالها الجدد شيعة لأول مرة.
الجماهير المهزومة أصلاً تتمترس بمذاهبها حماية من عواصف، وهذا ما لعبت عليه الأنظمة العربية؛ أيقظت المذهب لتضرب الجماهيرية المحتملة. اشتعل خيال متعدد المحاور لحرب المذاهب: خطر قنبلة الشيعة على المحيط السني. والتبشير بحرب على الهوية كما يحدث في العراق. الخوف من أحزاب المقاومة على تماسك الدولة كما فى لبنان. التحذير من إعادة توزيع الثروة كما يمكن أن يحدث في السعودية إذا انتصر الشيعة.
خيال يحاول إقامة تحالفات بين الدولة وجماهيرها باختراع شياطين المذاهب، وحروب تعيد بناء صورة الفرد عن نفسه. صورة جديدة يعود فيها الفرد إلى جماعته الصغيرة (القبيلة والعائلة) وإلى مذهبه الكبير. صورة تمزق العالم العربي بين عقول حديثة وأجساد ترتدي ملابس قديمة. عقل حديث يستخدم الكومبيوتر ويحارب بأسلحة متطورة ويضع العمامة فوق رأسه ويعتمد على سحر الكاريزما وحشد الجماهير ومعارك الخطب والألفاظ الرنانة.
يبني هذا الخيال التحالفات بين الدول، ليس على أساس مصلحة سياسية، بل على تضامن المذهب. تحالفات تجهّز المنطقة لحرب متعددة الجبهات بين السنة والشيعة... والجيوش المعجبة ببطولات حسن نصر الله ومشاغبات أحمدي نجاد قد تكونو في جيش السنة نفسه الذي يحاربهما، لأنهما من مذهب عدو وخطر.
إنها صورة جديدة عن الذات تعرّف نفسها بالطائفة والمذهب والدين... والدولة فيها «بازل» من صور ممزقة.