سمير صباغ

الحرب مستمرة على فلسطين ولكن بالسياسة والدبلوماسية. الشروط الموضوعة أميركياً وأوروبياً وإسرائيلياً أقسى من الشروط العسكرية التي يفرضها دائماً المنتصر في أي حرب. فهذه الشروط هي اليوم تطويع وتركيع واستسلام المقاومة الكامل. مصر تؤدّي دور آلية تنفيذ القرار 1680، بموافقة أميركا وأوروبا وإسرائيل وهي التي تنقل شروطها لإنهاء العدوان على غزة وآثاره من حصار وإغلاق معابر.
الأميركيون والأوروبيون لا يتوقفون عن البحث في اعتماد آلية لمنع تهريب الأسلحة وحفظ أمن إسرائيل. آلية قوامها الجو والبحر والبر والغارات الإسرائيلية والترويض المصري باعتماد أسلوب العصا أو الجزرة. ويتم ذلك من خلال زيارة عابرة لمصر في الطريق إلى إسرائيل أو عبر اتفاقية أو تفاهم أميركي ــ إسرائيلي وقّع قبل رحيل الإدارة السابقة أو عبر مؤتمر دولي كما تهيّئ الإدارة الأميركية الجديدة.
وجوهر كل هذه التحركات هو اقتلاع نفوذ حركة حماس وسيطرتها على القطاع من خلال ربط التهدئة والإعمار ورفع الحصار وفتح المعابر بمصالحة فلسطينية ـــــ فلسطينية تؤدي إلى عودة السلطة الوطنية وممارسة مهماتها في القطاع وعلى المعابر.
مصر التي لا تؤدّي دور الوسيط أو الناقل النزيه للشروط فقط، تزيد عليها شروطاً لا تقل خطورة على مستقبل الأوضاع في فلسطين، ولكن بشكل المتعاطف مع المقاومة والساعي لخيرها. فهي تتصرف كأن المقاومة قد هُزمت في
غزة.
وإنها، أي مصر، تسعى إلى تهدئة الأوضاع لإراحة المقاومة لأن إسرائيل لا تريدها، وهي تسعى إلى عقد المصالحة الفلسطينية ـــــ الفلسطينية المعقود خير الشعب الفلسطيني بناصيتها وهي مفتاح أساسي لتذليل كل العقبات من وجه وقف إطلاق النار ورفع الحصار وفتح المعابر وإعادة الإعمار وهي تتهيأ عملياً لأداء دور الوصي على القطاع ريثما تتحقق الوحدة الوطنية الفلسطينية المطلوبة التي لا تزال بعيدة المنال، فتتهيأ لتنظيم أموره وأمور قيادته وإدارته والعمل على إعادة الإعمار بما يتلاءم مع التوجهات المصرية عبر إخراج الدوائر والمنشآت والمؤسسات الحكومية خارج المناطق السكنية.
ثبت الآن أن ما يحاك ضد فلسطين أبعد بكثير من مرامي العدوان الأخير. بدأ ذلك في الماضي القريب من خلال المراوغة والمراوحة في التفاوض وبالتالي جعل المفاوضات عبثية ومن ثم قتلها، واليوم يتجلى ذلك بإسكات صوت المقاومة وإفهام مَن يستعد للمقاومة أو يفكر فيها من الفلسطينيين والعرب بأنها ستكون مغامرة وستقود الشعب إلى الدمار والخراب.
المطلوب الآن إبراز المواقف الأصيلة والشريفة والمبدئية التي عرف بها الشعب الفلسطيني المقاوم منذ قرن من الزمن ومن فصائل الثورة الفلسطينية المقاومين المبدئيين. والمطلوب خاصة من السلطة الوطنية، انسحابها من التداول كجهة معتمدة أو مقبولة في تنفيذ الشروط الأميركية والأوروبية والإسرائيلية والقول للجميع إنها لا ولن تقبل أن تتولى أي أمر وأي مهمة على الإطلاق في عملية تركيع المقاومة وتصفيتها لتثبت جميعها أنها مقاومة بالفعل. وبذلك يمكن خلق الثقة بين الأطراف المتنازعة، الأمر الذي يمثّل تسهيلاً لعملية المعالجة. إن المقاومة ستنتصر مهما حاولوا وراوغوا من أجل تصفيتها، وخاصة أن الجماهير الفلسطينية والعربية انطلقت لدعمها ولن تتراجع.