أسامة سمعان

الحديث عن إنعام رعد في ذكرى غيابه الحادية عشرة، يكتسب أهمية بالغة، إذ نتذكّر كيف يؤمن المناضل القومي الاجتماعي بعقيدة يرفض التحجّر بها، بل يحياها، بما تملك من قدرة تطوّرية في الفكر والسياسة، حتى بات شخصه عرضة لسهام الكثيرين من رفاق دربه، المستريحين في جمودهم الفكري، الذين نعتوه بأقذع العبارات التي لا تليق برفاق النضال، أقلّها كان، تهمة الانحراف العقائدي. ميزة إنعام رعد الأساسية، بالإضافة إلى إيمانه العميق بالعقيدة القومية الاجتماعية، قدرته الفذّة على التوفيق بين التحصيل والإنتاج، فهو لا يترك فرصة إلا وكان همّه اكتساب المعرفة، لا لتصبح حملاً في عقله ينوء صاحبه من ثقله، بل لتنضج المعارف الجديدة وتتفاعل مع معينه الثقافي، لتخرج مداداً على صفحات الورق مقالاتٍ وأبحاثاً ودراساتٍ وكتباً، أغنت الفكر القومي الاجتماعي في مختلف أسباب تعزيز النضال القومي.
ولعل أول اختراقاته للجمود الفكري السياسي، كان عام 1960، وقد جاءت محاولته يومذاك في ظروف دقيقة للغاية، إذ تمثلت بتوجهات عربية، رسمية وشعبية، فكرية وعملية، تقضي بضرورة محاربة الشيوعية العربية والعالمية، مرتكزة بذلك على قرارات صادرة عن قمم عربية كما في انشاص وبلودان، وقد ترجمها العرب على أرض الواقع خلافات سياسية وفكرية وأمنية، كان أبرزها الخلافات الحادة بين الجمهورية العربية المتحدة أيام الوحدة السورية ـــــ المصرية، والشيوعيين العرب، وكانت ساحتها تمتد من القاهرة، مروراً بالشام والعراق، وصولاً إلى الكرملين. ناهيك عن أن خيار الحزب السوري القومي الاجتماعي كان، اعتباراً من العام 1955، خيار التحالف مع الغرب «بالشروط القومية».
في ظل هذه الأجواء المعقّدة نتيجة اضطراب العقل السياسي العربي عموماً والعقل القومي خصوصاً، في عدم التفريق بين الصراع العقائدي في داخل المجتمعات العربية، والعلاقات الدولية التي تقوم على أساس المصالح لا المبادئ، أطلق إنعام رعد صرخة كانت مدوّية.
امتشق قلمه وخطّ عنوان مقالته في جريدة الحزب الرسمية «البناء» «من أجل تعاون أوثق مع السوفيات» بهدف إعادة التوجه السياسي القومي إلى محوره الطبيعي والحقيقي، محور الصراع ضد العدو الصهيوني، لأن العدو هو «إسرائيل وليس الاتحاد السوفياتي، وأن العلاقة مع السوفيات والحزب الشيوعي الحاكم شيء، والعلاقة مع الأحزاب الشيوعية العربية شيء آخر، وإذا كانت العلاقة مع الاتحاد السوفياتي تحدث خللاً مع الولايات المتحدة الأميركية، فلا ضرر من ذلك، طالما أن الولايات المتحدة هي الدولة الداعمة الأساس للكيان الصهيوني».
لم يكتب إنعام رعد مقالته بإجازة من السلطة الحزبية، فالرئيس الدكتور عبد الله سعادة كان آنذاك في زيارة إلى المغترب القومي في أميركا اللاتينية، ولكن ذلك لم يمنع القيادة القابعة في بيروت من معاقبته باللوم على هذا «الانقلاب» في الخط السياسي، وفي عقوبتها له، شهادة في نضجه السياسي، بقدر ما هي شهادة لهم في قصورهم في فهم المتغيرات الدولية، التي بدأت منذ آخر مؤتمر حضره ستالين، والذي صدرت عنه مقررات تضمنت استعداد الاتحاد السوفياتي لدعم حركات التحرر القومي، والذي ترجم بكسر منع السلاح عن العرب عام 1955، وصولاً إلى الإنذار الشهير الذي صدر عن الاتحاد السوفياتي ضد دول العدوان الثلاثي عام 1956، الذي تضمن استعداد السوفيات لإعادة النظر بأساس وجود إسرائيل كدولة، فيما كانت الولايات المتحدة تقدم كل الدعم للكيان الصهيوني بما فيه الدعم لإنجاح التغلغل الصهيوني في القارة الأفريقية.
لقد أسهبنا في الحديث عن الاقتحام الأول، لأنه يفسر بذاته كل النهج السياسي الذي أرسى قواعده إنعام رعد في ما بعد، سواء في الانخراط مع الحركة الوطنية اللبنانية والتحالف مع الثورة الفلسطينية، والانفتاح على الأنظمة العربية التقدمية والعلاقات مع المعسكر الاشتراكي، والإصرار على نشوء المقاومة القومية الاجتماعية في وجه الاجتياح الصهيوني عام 1982، وصولاً إلى تبوّئه منصب رئيس اللجنة العربية لمكافحة العنصرية الصهيونية لحين وفاته.
أما على صعيد التجديد الفكري، فقد اعتمد إنعام رعد على معين القائد المؤسّس أنطون سعادة، فانكبّ على قراءة آثاره كلها والعمل على نشرها، وهو إذ اجتهد في الاطّلاع على أفكار الآخرين إنما كان يهدف إلى إلقاء المزيد من النور على الفكر القومي الاجتماعي الذي قدّمه سعادة.
أجل، لقد كان إنعام رعد أميناً لفكر أنطون سعادة، وجعله المقياس الصالح الذي على ضوئه يمكن قراءة الواقع وفهمه لانتزاع أدوات النضال من كل واقع جديد، وهذا ما سهّل عليه في الفترة التي تلت النكسة عام 1967، وانتصار فيتنام، وبروز الفكر الماركسي بأنه هو الفكر الوحيد الصالح للتحرر السياسي والاجتماعي، سهّل عليه مواجهة حالة التمركس التي ظهرت في الحزب السوري القومي الاجتماعي ولا سيما في أوساط الندوة الثقافية، وكان إنعام رعد موفّقاً في تبيان الأسس الفكرية للقومية الاجتماعية التي لا تنحصر قدرتها في التحرير السياسي الخارجي من الاستعمار وقوى الاحتلال الأجنبي، ولا في التحرر الاجتماعي من الإقطاع الاقتصادي الرأسمالي، بل باستطاعة هذا الفكر أن يحقق أبعاداً أخرى في التحرر الاجتماعي لم تلحظها الماركسية، مثل الطائفية والعشائرية والقبلية، وغير ذلك من انقسامات اجتماعية ـــــ نفسية.
وكما في المرة الأولى، عندما اقتحم جمود الفكر السياسي، نراه يقتحم الجمود الفكري العقائدي، عندما وافقت القيادة الحزبية، على مضض، على قبولها إلقاءه محاضرة في زغرتا بمناسبة الأول من أيار عام 1974، مشترطة عليه كتابة المحاضرة وإيداعها مركز الحزب لإقرار الموافقة أو عدمها.
كتب إنعام رعد محاضرته وأرسلها إلى مقصّ الرقيب، ويا لهول ما حدث، فقد اقتطع مقصّ القيادة كلام أنطون سعادة، وقد اقتبسها المحاضر من مقالة منشورة في: «سعادة، الآثار الكاملة، الجزء العاشر»، بعنوان «العقيدة السورية القومية الاجتماعية وبحث الديموقراطية عن عقيدة» التي تضمّنت قول سعادة بأنه «وضع للقوميين الاجتماعيين عقيدتهم الاجتماعية في المبدأ الإصلاحي الرابع الذي هو المبدأ المختصّ بالشأن الاقتصادي» بحجّة أن هذا الكلام منسوب إلى سعادة بغير حق.
لم يكن إنعام رعد ليؤمن بالاقتباس الفكري من الخارج، لأن الاقتباس من الخارج لا يحرك الكوامن النفسية التي تزخر بها الأمة، بل التزم بالفكر القومي الاجتماعي، وبتراث الأمة الثقافي السياسي القومي، وكان هذا معينه الأساس في تجدبد الخطاب الفكري.
كانت مهمة إنعام رعد في الحزب، مهمة شاقة وصعبة، وكان تألّقه في المجال التجديدي يجد ترحاباً عند المتنوّرين داخل الحزب وإعجاباً من المثقّفين خارج الحزب، فيما كان يلقى خصومة وحقداً عند قلّة من القاصرين فكرياً وسياسياً، بعضهم اعتذر منه شخصياً، وبعض آخر لم يعتذر، وربما ما زال حاقداً على من أعجبوا بالنهج الفكري الذي خطّه إنعام رعد.
أهمية إنعام رعد في تاريخ الحركة القومية الاجتماعية، أنه كان رجل التجديد والتطوير، إيماناً منه بأن عقيدة سعادة، هي عقيدة حياة، وهي بحاجة دائمة إلى التجدد من داخلها، لأن العقائد التي تفقد سمة التطور، تشيخ وتموت وتندثر ويتبدّد أتباعها.
في ذكرى غياب إنعام رعد، تفتقد الحركة القومية الاجتماعية رجلاً كبيراً استبدل لقب «الباكوية» بلقب الرفاقية، وناضل عشرات السنين بكل جهد وطاقة حتى أواخر أيامه، نضال الشباب المؤمن بأن يوم الغد هو يوم النصر وليس اليوم الذي يليه، ولا يحق لمناضل أن يتأخر عن دوره المطلوب منه لكي لا يتأخر يوم النصر ساعة.
إنعام رعد... هنيئاً لك ذاتك المناضلة، هنيئاً لك حياتك المجدّدة في الفكر والسياسة.