فاتن الحاج

لم يكن ابن صيدا يملك الحماسة لهذا القطاع قبل الالتحاق بدار المعلمين الابتدائية عام 1963. قادته الظروف آنذاك للتمسك بالمنحة التي كانت تقدمها الدار (90 ليرة شهرياً)، فضلاً عن تأمين الوظيفة. «لكننا تخرجنا من الدار مزودين بنظريات التربية وفلسفتها ومسلحين بالطرائق الناشطة للتدريس»، يقول. ويردف «تفاعلنا مع نماذج كان لها وزنها على الساحة التربوية، وسبقنا إلى التعليم أمثال المعلمين الراحلين حسيب عبد النبي، جورج وزير، جورج عطية في صيدا». يعزو حشيشو تراجع المهنة إلى إقفال دور المعلمين وكلية التربية، والأخيرة كانت صمام أمان للقطاع التعليمي. ويأسف لاستبدال هذه الصروح التي كانت تسلّح المعلمين لسنوات «بالزوادة المطلوبة»، بمجرد دورات تدريبية لأيام، أبعد ما تكون عن تحقيق المرجو منها. ويوضح «أننا لم نخترع الأساليب التعليمية بل طبقنا النظريات التي تعلمناها وتمرسنا فيها». يتحمّس الرجل للحديث عن النشاطات اللامنهجية في الستينيات «حيث كنا نصطحب تلامذتنا خارج القاعات الدراسية ونطلب منهم تنفيذ الاستمارات وإعداد التقارير عن موضوع معين». ثم إنّ اللقاءات العفوية والرحلات الهادفة التي «كنا ننظمها على مدار السنة في المدارس الرسمية، جعلت العلاقة بين الأساتذة والتلامذة أكثر التصاقاً». لم يكن المعلم يواكب أداء تلميذه ويصوّب مساره التعليمي فحسب، بل كان يعيش المهنة بكل جوارحه. يتذكر حشيشو كيف كان همّ التلامذة يلحق به إلى المنزل، فينكب على تحضير الوسائل التي تجعلهم لا ينفرون من المادة. وكان التجاوب حينها مع طروحات الأستاذ مختلفة، كما يقول، «بغياب وسائل اللهو الحالية وهاجس التفكير بالمستقبل المجهول»، على حد تعبيره. يصادف حشيشو اليوم تلامذة تخصصوا في التاريخ لانجذابهم إلى الأسلوب الشيّق في طرح الإشكاليات والحوار الذي كان يستخدمه في الصف. ومع ذلك، «لم أكن أملي عليهم رأياً معيناً بل كنت أشجعهم على الاطلاع والانفتاح على الأفكار المختلفة، وما زلت حتى اليوم ألتقي بتلامذة يذكّرونني بذلك». أما اليوم فيخاف الأستاذ الاصطدام ويحاذر الدخول في النقاشات العامة نتيجة الاشتباك في الخارج.
لكن حشيشو يذكر تماماً كيف أنّ المدينة لم تكن تشهد حين بدأ ممارسة المهنة هذا الانتشار الهائل للمدارس والثانويات. ففي صيدا كانت هناك تكميلية للصبيان وأخرى للبنات، و«كنا نُمسك بكل مفاصل العملية التعليمية فنسد في بعض الأحيان تقصير وزارة التربية في تلبية الحاجات المدرسية». كذلك فإنّ وضع الأستاذ الوظيفي لم يكن مهزوزاً «فلا تعاقد في صفوف المعلمين والجميع مستقر في ملاك الوزارة»، يقول ويضيف: «كنا نشعر بأننا عائلة واحدة متضامنة، ومقتنعون بأهمية العمل النقابي وإن كان ذلك يأخذ وقتاً طويلاً من الاهتمام بعائلاتنا الصغيرة». واستمر ذلك لسنوات حيث شغل حشيشو مدى 20 سنة عضوية الهيئة الإدارية لرابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي وساهم في المفاوضات بين الهيئة التنفيذية ولجنة الاتصال العليا لتوحيد الرابطة. لكن ما افتقد إليه حشيشو في السنوات الأخيرة هو بيئة التعليم المتنوعة حيث «كنت وزملائي من مغدوشة والجنوب وإقليم الخروب نخوض نقاشات تربوية وسياسية في جو تفاعلي بعيد عن الحزازات المذهبية».