يسعى البعض إلى توظيف موضوع المحكمة الدولية في حلبة الصراعات السياسية، وخاصة مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية. وكانت آخر تلك المساعي قد تناولت شأن تأخر إقرار مذكّرة التفاهم بين الجمهورية اللبنانية ومكتب المدعي العام الدولي، بينما يعاني التحقيق شللاً تاماً نتيجة تأخر دولي في إقرار نظام الإجراءات والأدلة


عمر نشابة
إن تأخر إقرار مجلس الوزراء مذكرة التفاهم بين الجمهورية اللبنانية ومكتب المدعي العام الدولي لا يؤثّر سلباً على عمل المحكمة الخاصة بلبنان خلال الأسبوعين الأولين بعد انطلاقها. فنظام الإجراءات والأدلة لن يُعتمد قبل ذلك التاريخ. ولن يباشر مكتب المدعي العام تحقيقاته إلا بعد إعلان أسماء القضاة وبعد انتخابهم رئيساً للمحكمة وإقرارهم نظام الإجراءات والأدلة الذي يُحدّد معايير التحقيق ويقوّم قانونياً منهجيته. ومع تحوّل دانيال بلمار من رئيس للجنة التحقيق الدولية المستقلة إلى المدعي العام الدولي، تبقى مهمة التحقيق نفسها، لكن «إطار العمل» (venue) يتغيّر بحسب ما أكّده بلمار. أما قاضي ما قبل المحاكمة (قاضي الإجراءات التمهيدية) فيفترض أن يقسم اليمين ويعلن اسمه قريباً، فهو المرجع القانوني الأول لمكتب المدعي العام الدولي الذي لا يمكن أن يباشر تحقيقاته في إطار «مساعدة القضاء اللبناني» (بحسب قرار مجلس الأمن 1595 الذي أنشئت لجنة التحقيق الدولية على أساسه) بل يفترض انتقال الاختصاص إليه قبل ذلك.
ويُستبعد أن تطلب المحكمة الدولية انتقال الاختصاص إليها قبل اعتماد النظام. يُذكر أن المدعي العام الدولي بلمار وقاضي ما قبل المحكمة (الذي لم يعلن اسمه بعد) لا يمكنهما اتخاذ قرار بشأن مصير الأشخاص الموقوفين قبل تقويم مضمون ملفّ التحقيق الذي أوقفوا على أساسه. ويتضمّن هذا الملفّ محاضر استجواب وأدلّة يراها المحقق العدلي اللبناني القاضي صقر صقر كما اعتبرها سلفه القاضي الياس عيد كافية بحسب القانون اللبناني للاستمرار بالتوقيف لمدد تتجاوز المعايير الحقوقية الدولية. غير أن نظام الإجراءات والأدلة الذي ستعتمده المحكمة الخاصة بلبنان قد لا يعتبر مضمون ملف التحقيق متناسباً مع المعايير المذكورة فيه. أما إذا رأى المدعي العام والقاضي أن الأدلة القانونية متوافرة بحسب النظام، فسيعملان على تحضير مضبطة اتهام، ولديهما مدة أقصاها ثلاثون يوماً قابلة للتجديد مرّتين (مجموع 90 يوماً) لإنهاء تلك المهمة (بحسب القاعدة الأربعين المطبّقة حرفياً في أنظمة الإجراءات والأدلة في المحاكم الدولية الخاصة ليوغوسلافيا السابقة ورواندا وسيراليون).
يتوقّع إذاً أن تطلب المحكمة نقل الاختصاص إليها بعد قسم يمين القضاة وانتخابهم رئيس المحكمة يوم الاثنين المقبل وانطلاق بحثهم مسوّدة نظام الإجراءات والأدلّة التي كان قد وضعها خبراء بطلب من رئيس قلم المحكمة روبن فنسنت. ومن المفترض أن يبتّ القضاة في النظام في الخامس عشر من آذار أو في الأيام القليلة التي تتبع ذلك التاريخ إذا كانت هناك تحفظات لبعض القضاة على مضمونه.
وبالعودة إلى مذكرة التفاهم بين الجمهورية اللبنانية ومكتب المدعي العام الدولي، لا بدّ من الإشارة إلى أنها شبه مطابقة للمذكرة التي كانت قد صدرت لتنظيم التعاون بين الجمهورية اللبنانية ولجنة التحقيق الدولية المستقلّة. وفي هذا السياق يُشار إلى أن اللجنة كانت تعمل تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنحها امتيازات استثنائية، بينما يعمل مكتب المدعي العام الدولي بحسب الفصل السادس (الملزم أيضاً لكن ليس بالوقع نفسه للفصل السابع). على أي حال إن الاستهجان الذي نقل أخيراً عن العديد من السياسيين بخصوص تجاوز بعض بنود المذكرة للسيادة اللبنانية، يبدو مستغرباً لأن إنشاء مجلس الأمن الدولي لمحكمة خاصة للبنان بدون موافقة مجلس النواب الذي يمثّل أرفع هيئة ينتخبها الشعب مباشرة لتمثّله، هو بالأصل تجاوز واضح وصريح للسيادة البنانية والدستور، ما يجعل كل ما يتبعه مطابقاً بهذا الخصوص.
وكان عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد انطلق في الأول من آذار الفائت، وبحسب نظامها (المرفق بقرار مجلس الأمن 1757) سيُطلب من القضاء اللبناني، في غضون شهرين، نقل اختصاصه في القضية إليها (الفقرة الثانية من المادة الرابعة). ويقتضي ذلك نقل الملفات والأدلة الجنائية ومحاضر التحقيق والموقوفين في القضية إلى مقرّ المحكمة في لايسكندام (لاهاي).

في مهبّ الرّيح

إن تجاوز السلطات القضائية المحلية أو الدولية القواعد القانونية والمهنية في قضية اغتيال رئيس وزراء سابق يعرّض تلك السلطات للاشتباه في تورّطها بصفقات سياسية. فالقواعد القانونية والمهنية تقتضي ألا يكون المقرّبون من الضحية معنيين بتوقيف أو حراسة أو مقاضاة المشتبه فيهم، غير أن إجراءات التحقيق والمقاضاة في جريمة اغتيال الحريري تضمنت تجاوزات لتلك القواعد، ومنها الطلب من ضابط كان قد استقال من قوى الأمن الداخلي (ليشغل منصباً ضمن فريق عمل الرئيس الشهيد) لكنه عاد عن استقالته وتولّى قيادة فرع للمعلومات يقوم، من خارج القانون، بحراسة قسم خاص من السجن المركزي في رومية يعتقل فيه الموقوفون في جريمة اغتيال الحريري.
فاللواءان جميل السيد وعلي الحاج والعميدان ريمون عازار ومصطفى حمدان معتقلون في السجن المركزي في رومية منذ أكثر من ثلاث سنوات للاشتباه في ضلوعهم بجريمة اغتيال الحريري. هم في عهدة المحقق العدلي القاضي صقر ضقر وبحراسة ضباط وعناصر من فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي (الذي يطلق عليه البعض من خارج القانون «شعبة المعلومات»). ولا تحدّد مسوّدة مذكرة التفاهم بين الجمهورية اللبنانية ومكتب المدعي العام الدولي الجهة التي ستتحمّل مسؤولية الحفاظ على أمنهم وسلامتهم بعد انتقال الاختصاص إلى المحكمة الدولية، بما في ذلك أمن عملية نقلهم إلى لاهاي.
الأمر إذاً في مهبّ الريح، وأخطر ما في ذلك عدم تحديد مسؤولية أمن انتقال الضباط، بينما يُشغَل سياسيون وقانونيون بمذكّرة لا تؤخر ولا تقدّم، في المرحلة الراهنة، من شأن التحقيق والمحاكمة، ولا يسأل أحد عن المساءلة والمحاسبة على تجاوزات الدولة لمعايير العدالة.



إصدار القرار الاتهامي