حسن علّيق

سأخبركِ. رأيتُكِ في المنام. كنتُ في حانة جدرانها مرايا. دخلتِ فتهامسوا، واسترقوا إليك نظرة من عيون بلون نبيذ سيّئ. نزعتِ عنكِ قطعة قماش وغطيتِني بها، ثم دخلتِ تحتها فصرنا غير مرئيين، ولم نعد نشمّ رائحة الغبار. نزلنا درجاً نعرفه، وجلسنا على حجر للانتظار. كنا بين البحر والأشجار حين عبرنا جسراً سمّيناه كما الأغنية، وبقينا هناك إلى أن رأيتِ دمعاً في عينيّ، فتدثّرتِ بي. اتّكأنا على سياج ماء لا يملّ من اللعب، ومن الحداء لسائرين لا يطيقون الرحيل. يلامس أطراف المدينة كطفل يلهو بأصابع أمه. يخفض صوته كلَّ حين ليُسمِعنا غناء الحجارة تتأرجح في أحضان موج يوهمنا بأنه سيسرقها، لكنه يعيدها دوماً إلى حيث كانت. ثقي بالماء، فهو لن يمسّك سوى بعطر الملح.
سأخبِرُكِ. رأيتكِ في سهل البقاع. ووجدتكِ حيث كان الغيم يحنو على هضاب كأنّه يدفئها، ونور القمر يلامس ظهر السحاب. كانت مياه البحيرة أشد بريقاً من المعتاد. مشيتُ حيث رأيتِ السهل أول مرة، بين الأشجار والسماء، حيث ضاع دفء كفك في راحة يدي.
سأخبِرك. كان كما حكى عنه طلال، ولم أر إلا وجهَك بين البدو والشام. كان الطقس بلون تراب وعشبٍ رمادي. وكان لنور الشمس بعد المطر رائحة كأنّها من صوف تحوكه الجدّات. خبأتُ حينذاك عطرك في ساعة سرقتُها من معصَمِك، وزرعتها في الحقيبة. أعود إليها كلما خنقني الخوف وتيبّس الهواء بين شفتيّ، وكلما زادَ يقيني إلى أن صرت لا أدري.