سعد الله مزرعاني*

تمثّل القمة الرباعية في الرياض، حلقة جديدة في مسلسل تداعيات الإخفاق الأميركي في العراق خصوصاً، وفي تحقيق مشروع «الشرق الأوسط الجديد» عموماً. هذا الاستنتاج السريع ليس متسرعاً بأي معنى من المعاني. تكفي المقارنة بين أجواء القمة العربية في دمشق قبل عام تماماً، وقمة «المصالحة» أول من أمس، في الرياض، لرؤية التغيير الكبير الذي طرأ على الموقف السعودي خصوصاً، وعلى الموقف المصري استطراداً.
إن الربط ما بين الإخفاق الأميركي في العراق والمنطقة (فضلاً عن تأثيرات الأزمة المالية والاقتصادية الهائلة في الولايات المتحدة الأميركية)، وما بين تحولات متعددة لا تزال تتلاحق في السياسات والتوجهات والتوازنات والعلاقات التي تصيب عدداً من دول المنطقة، أو مجالات الصراع فيها، إنما هو ربط يكاد يعادل علاقة السبب بالنتيجة في أبسط صورها. فلقد أقامت الإدارة الأميركية السابقة (بوش والمحافظون الجدد) بنياناً متكاملاً في خدمة «مشروع الشرق الأوسط الجديد». وهي جمعت في هذا البنيان، ما هو إيديولوجي، وما هو سياسي، وما هو عسكري، وما هو إعلامي واقتصادي...
ومن بين المرتكزات الأساسية التي أقامتها الإدارة الأميركية، «محور دول الاعتدال العربي». ولقد أُنيطت بهذا الحلف مهمات هجومية في نطاق مشروع الغزو الأميركي، لتعزيز فرص نجاح هذا المشروع وللمساهمة في خلق وقائع جديدة في الصراع وفي التوازنات، هي نقيض لما كان قائماً، قبل الغزو الأميركي للعراق في مطلع ربيع عام 2003.
واضطلعت قيادة المملكة العربية السعودية بالدور الأساسي (الفعلي) في «محور الاعتدال العربي»، وذلك بعد تخلي الإدارة الأميركية عن «ترف» ومزاعم «نشر الديموقراطية» التي كان قد تضمنها مشروع «الشرق الأوسط الجديد» في مرحلة انطلاقته الأولى على صهوة الدبابات والطائرات وكل آلة القتل والاحتلال والتدمير الأميركية.
غير أن عام 2008 الذي كان الذروة في الصراع العربي ـــــ العربي، أي في محاولة «محور الاعتدال» تسجيل مكسب ما لمصلحته (في لبنان تحديداً)، قد كان أيضاً حاسماً لجهة إعلان مدوّ لإخفاق المشروع الأميركي. تجسد ذلك بشكل حاسم، في توقيع معاهدة الانسحاب الأميركي من العراق، من جهة، وفي انسحاب «المحافظين الجدد» وكل الحزب الجمهوري من السلطة في الولايات المتحدة نفسها (في انتخابات مجلس النواب ومن ثم في انتخابات الرئاسة الأميركية)، من جهة ثانية.
أشرنا إلى أن لبنان كان إحدى نقاط الصراع الساخنة. وهو تحول إلى الساحة الثانية من حيث الأهمية والعنف بعد العراق. ولقد كانت الحكومة اللبنانية، بما كان من نفوذ حاسم للإدارة الأميركية عليها، جزءاً من «محور الاعتدال العربي». وبلغت الحماسة بفريق 14 آذار اللبناني، أن جاهر بفخر واعتزاز في المؤتمر الأول لهذا الفريق (عقد في مركز «البيال» للمعارض في 14 آذار الماضي)، بانتمائه إلى المحور المذكور (الغريب، الآن، أن أقطاب في هذا الفريق يدّعون أنهم محايدون في صراعات المنطقة والعالم).
ويصادف أنه، في مجرى تطورات متلاحقة، قد ساهمت الأحداث اللبنانية نفسها (فشل العدوان الإسرائيلي عام 2006)، في الإضاءة الساطعة على النهايات التي كانت ترتسم معالمها في محصلات الصراع الضاري الذي انطلق مع احتلال العراق في نيسان من عام 2003. فبعد تصعيد سياسي وإعلامي وأمني، رسمي و«شعبي»، من جانب فريق 14 آذار، كشفت أحداث السابع من أيار الماضي، عجز الإدارة الأميركية ومعها «محور الاعتدال العربي» عن ممارسة دور فعال لمصلحة فريقها في لبنان. لقد كان ذلك بالفعل وبالتجربة، دليلاً جديداً على تسارع خطوات تراجع المشروع الأميركي وانكفائه، وعجز حلفائه «المعتدلين» عن تسجيل أي انتصار في ظل هذين التراجع والانكفاء، الأميركيين.
ومع أحداث غزة، وتحديداً بعد نتيجة الحرب المجرمة على مقاومتها وعلى شعبها، انطلقت صفارة إعلان انتهاء تلك الحقبة التي انطلقت بعد أحداث أيلول الدامية في الولايات المتحدة عام 2001. فقد اختبرت القيادة الإسرائيلية حظها، مرة جديدة. وهي حاولت أن تحقق في غزة ما عجزت عن تحقيقه في لبنان. وحيث إنها لم تنجح، فقد بدأت التداعيات سريعة، ودراماتيكية، كما حصل، في قمة الكويت الاقتصادية في شهر كانون الثاني الماضي. في تلك القمة، «فاجأ» الملك عبد الله الجميع بخطاب الاعتراف بالخطأ في المراهنة الكاملة على الوعود والسياسات الأميركية. قدّم نقداً ذاتياً أذهل الوفد السعودي قبل الآخرين (وخصوصاً الرئيس حسني مبارك الذي لم يكن يتوقع مثل هذا التحول في الموقف السعودي على غرار ما أعلنه الملك). وقائع أخرى كانت في طريقها إلى التبلور، في مجرى هذه التحولات نفسها. أهمها وأخطرها ما أفرزته الانتخابات العراقية من تحول في غير مصلحة القوى التي مثّلت أساس «العملية السياسية» التي نظمها الاحتلال الأميركي، والتي استسهلت تحاصص العراق على أساس مذهبي وإثني...
لقد كانت الحرب المجرمة على غزة، كما ذكرنا، آخر الحلقات في مشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي تعثر ثم سقط في المنطقة وفي الولايات المتحدة نفسها. وفيما استأنف قادة إسرائيل سياستهم التقليدية في تقديم المتطرفين إلى سدة القيادة فيها، عادت قيادة المملكة العربية السعودية، كما يبدو، إلى أسلوبها القديم، التقليدي، هو الآخر، الذي تخلت عنه طيلة مرحلة المشروع الأميركي في المنطقة.
يقود هذا الاستنتاج إلى توقع نتائج مباشرة في المنطقة، من نوع: تخلي قيادة المملكة السعودية عن سياسة الهجوم والعودة إلى سياسة الدفاع. التخلي عن العمل المباشر في التعاطي مع القضايا الشائكة خاصة. إيلاء الاهتمام للموضوع الأمني، بما يفرض تنسيقاً لا غنى عنه مع دمشق، وخصوصاً في مواجهة المجموعات السلفية المتطرقة التي تمثّل كابوساً للسعوديين أكثر من سواهم. تدارك التطرف الإسرائيلي بسياسة تهدئة فلسطينية ـــــ فلسطينية، ريثما تتبلور السياسة الأميركية الجديدة (التي ستشهد صراعاً ضارياً، كما تدل الإشارات المتعددة) وتتحدد وجهتها الأساسية.
أما في الانعكاسات المتوقعة لبنانياً للمصالحة السعودية ـــــ المصرية ـــــ السورية، فليس من المنطق في شيء توقع أن يقدم الطرف السوري تنازلات ذات وزن للطرف السعودي. المتوقع هو العكس، لكن طبعاً دون مبالغة، وخصوصاً دون إسقاط عوامل الصراع الداخلي اللبناني من الحسابات.
ويمكن وفق ذلك، ووفق منطق المصالحة السعودية ـــــ السورية نفسه، التأكيد أن التوتر سيصبح أخف في لبنان. وأن بعض المساومات قد تجد طريقها إلى التنفيذ في صورة توافقات جزئية هنا أو هناك (بما في ذلك في الانتخابات النيابية).
إلا أن منطق الصراع، في المنطقة، كما في لبنان، سيبقى هو الغالب، وذلك لتكريس نتائج، ولتحسين موازين، وبسبب استمرار قضايا كبيرة موضع خلاف. وهذه القضايا تشمل مسائل عديدة وبلداناً كثيرة وعناوين متنوعة، وتمتد من فلسطين إلى العراق إلى إيران إلى لبنان...
في ضوء هذا التقدير، فإن ما يجب إدراكه لبنانياً، أن مرحلة جديدة قد بدأت. ويجب تكريس ذلك في سياسة رسمية (باشرها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان)، لجهة التعامل مع مسألة العلاقات اللبنانية ـــــ السورية. فلبنان الرسمي لا يمكن أن يواصل اعتماد سياسة توتر شديد مع دمشق، بعدما سقطت الأسباب الخارجية لهذا التوتر ولأهدافه (وكان من بينها محاولة إسقاط النظام السوري، ثم في مرحلة لاحقة تغيير سياسته وتحالفاته على الأقل).
والواقع أن السياسات حيال الوضع اللبناني، لا تحتاج الى مراجعة من جانب فريق واحد فحسب، سواءً كان لبنانياً أو كان عربياً أو أجنبياً. وفي المسؤولية الداخلية يجب إجراء مراجعة عميقة لكشف الخلل في نظام علاقات اللبنانيين في ما بينهم. عنينا النظام الطائفي ـــــ المذهبي المعتمد، وما تكشف عنه من عجز متماد ومتفاقم عن توفير الإطار المناسب لبناء وطن سيد حر مستقل مزدهر ومستقر...
تشير تحولات متلاحقة إلى ما يبعث على الأمل، بأن البعض، من مواقع المسؤولية والسلطة، وفي الهيئات الاقتصادية أيضاً، قد بدأ يدرك خطورة الخلل المذكور. يضرب البعض (ممن اضطر تحت وطأة هجوم مسعور لتأبيد بعض «الثوابت السياسية» المذهبية والطائفية من مثل التبعية للغرب والعداء للمحيط العربي والانفتاح حتى على إسرائيل) موعداً في مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية المقبلة، من أجل البدء بورشة إصلاح ذات مغزى. نأمل ألا يكون في الأمر مجرد تأجيل. لقد «استمرأت» قوى كثيرة ناشئة وحديثة، اللعبة التقليدية في لبنان: لعبة التحاصص المذهبي والطائفي. أصبحت هذه اللعبة قاتلة. لم يعد هناك متسع لمزيد من التجريب. إنه لعب بالمصير ومجازفة بوجود لبنان نفسه.
الإخفاق الأميركي يستطيع بالفعل أن يمثّل مدخلاً لصحوة وطنية لبنانية وقومية شاملة في المنطقة، ولإعادة بناء مشروع تحرري متكامل.
* كاتب وسياسي لبناني