حسام تمام *

يؤرَّخ بقضية «سلسبيل» الشهيرة (نهاية 1992) كنقطة فارقة، تحوّل فيها النظام إلى سياسة المواجهة الدائمة مع الجماعة. فقد كانت ثغرة اطلع النظام منها على أهم الوثائق التي تتضمن استراتيجية الجماعة للوصول إلى الحكم، وبناءها التنظيمي المحكم، الذي يقارب بناء الدولة نفسها! وصلت المواجهة إلى قمتها في منتصف التسعينيات (عام 1995)، مع أول محاكمات عسكرية تعرّضت لها الجماعة منذ محاكمات العهد الناصري. ثم استمرت متواصلة في السنوات اللاحقة، وتسير حتى اليوم وفق استراتيجية تتعدد وسائلها وتختلف وتيرتها، ولكنها تبقى ثابتة: حصار على كل الأصعدة، وغلق كل مساحات الحضور والوجود، واستعادة ما كانت قد حازته الجماعة سابقاً من مكتسبات وأماكن نفوذ.
لقد اعتمد النظام سياسة الضربات الأمنية والاعتقالات المحسوبة للقادة الفاعلين الذين يمسكون بالمفاصل الأساسية للتنظيم، وذلك بغرض استنزاف طاقة الجماعة تنظيمياً ومالياً ومعنوياً، ولكن دون التوسع في الضربات الأمنية بما لا يحتمله وضع البلاد. ثم طوّر النظام هذه السياسة باستهداف القوى الاقتصادية للتنظيم، وملاحقة مصادر تمويله الحقيقية أو المحتملة، عبر اعتقال ثم سجن رجال الأعمال المنتمين إليه، والتحفظ على مؤسساتهم الاقتصادية، وهو ما جرى في العام الماضي.
ومواكبةً لسياسته في التوسع في اعتقال وسجن القادة التنظيميّين المؤثّرين، اضطر النظام إلى اللجوء إلى القضاء الاستثنائي والتوسع في إحالة قادة الجماعة على المحاكم العسكرية، وذلك لضمان حرمانها أكبر عدد من قادتها لأطول فترة ممكنة، وخاصةً بعدما تبينت صعوبة إدانتهم أمام القضاء الطبيعي. ونتيجة لذلك صار تقليداً ثابتاً أن يبقى فوج من أهم قادة الجماعة رهن الاعتقال أو السجن فترات تراوح ما بين ثلاث سنوات إلى خمس، ولا يفرج عنهم إلّا بعد أن يحل فوج بديل ضيفاً على السجون!
غطى النظام ضرباته المتواصلة للإخوان بنيران حملات إعلامية «ماكارثية»، حشد فيها وسائل إعلامه وتلك القريبة منه، لتعميق حالة الخوف في الشارع وبين النخب، من الإخوان ومشروعهم. وكثيراً ما جاءت الحملات الإعلامية متزامنة مع الضربات الأمنية أو ممهدة لها في بعض الأحيان، كما في حادث استعراض طلاب الأزهر الذي وُظّف إعلامياً تمهيداً للاعتقالات والمحاكمات الواسعة التي شملت 40 من قادة الجماعة بينهم نائب المرشد.
وأخيراً، عمد النظام إلى إدخال تعديلات مهمة على الدستور تهدف إلى القضاء على الفجوات التي نفد الإخوان منها إلى السياسة والعمل العام، بحيث لا تترك لهم مستقبلاً أي مساحة أو إمكان للحضور والفعل. فكان قصر الترشّح لانتخابات الرئاسة على رؤساء الأحزاب المرخَّص لها فعلياً، وإلغاء الإشراف القضائي على الانتخابات، وهو ما كان مسؤولاً عن توافر قدر كبير من الشفافية والرقابة على الانتخابات، بما سمح للإخوان بالفوز بخُمْس مقاعد البرلمان.
أسباب كثيرة تدفع بالنظام إلى استمراره في استراتيجية المواجهة الشاملة ولكن المتدرجة، منها القلق من تعاظم الحضور السياسي لجماعة الإخوان، وتطورها على مستوى الخطاب أو الممارسة بما صار يمثل تهديداً له، والتغير الذي طرأ على بعض الدوائر السياسية المؤثرة في الغرب والذي خفّف من رفضها للحركات الإسلامية على الإجمال، وجعلها أكثر قبولاً من ذي قبل للتعامل مع الحركات الإسلامية السياسية المعتدلة مثل الإخوان، وسعياً لإدماجها في بنية النظم السياسية في بلدانها.
لكن ربما كانت أهم أسباب التصعيد والاستمرار في سياسة المواجهة الشاملة، أن النظام المصري يقف على عتبات مرحلة جديدة تتطلب ضمان حسم ملف انتقال السلطة مستقبلاً، والتغيير المنتظر في هرمها بخلو منصب الرئاسة (في أيار/ مايو 2009 يكمل الرئيس حسني مبارك عامه الحادي والثمانين)، وهو انتقال سيعاني صعوبات غياب نائب للرئيس يخلفه وتضارب التكهنات بشأن سيناريو محتمل للتوريث يمكن أن يدفع بنجله جمال لخلافته. لهذا كله، يأتي تصعيد النظام لحملته ضد جماعة الإخوان لتحييد القوة المعارضة الأكبر والأكثر حضوراً في الشارع وشل فاعليتها.
ثمة مأزق يعانيه النظام في مواجهته ضد الإخوان، يتمثل في ارتفاع الكلفة السياسية والاقتصادية لضربهم بما قد تنوء به البلاد، وخاصة أن النظام يعيش أضعف لحظاته مع تصاعد أزمات الغلاء التي شملت السلع الأساسية ومسّت حياة القطاع الأوسع من الشعب، وكذا توسع حملات المعارضة للنظام وسياساته، ودخول قوى غير تقليدية فيها لأسباب وأغراض مطلبية، مثل العمال والمهنيين... هذا كله في وقت تعيش فيه البلاد ما صار يعرف بـ«موت السياسة»، حيث أجدبت الحياة السياسية، وبلغت حد العقم ولم يبق في ملعبها سوى النظام والإخوان!
لقد استطاع النظام طوال ربع القرن الأخير إضعاف القوى السياسية الفاعلة في البلاد فاخترقها جميعاً، وتمكن من السيطرة عليها بحيث لم ينجُ حزب سياسي من تدخله، ولم تفلت قوة سياسية من قبضته. فكان أن النظام، وهو يخوض مواجهته الشاملة ضد الإخوان، لم يجد هذه المرة، تياراً يملأ الفراغ الذي يمكن أن يولّده غيابهم.
على عكس سلفيه جمال عبد الناصر وأنور السادات، يفتقد نظام الرئيس حسني مبارك مشروعاً وطنياً يمكن أن يجتمع الشارع المصري عليه، كما تنعدم أمامه البدائل التي يمكن أن يفسح لها لتتمدد في الفراغ الذي سيحدثه غياب الإخوان عن الحياة السياسية. لقد كان ناصر صاحب مشروع وطني طغى حضوره كثيراً على غياب الإخوان أو تغييبهم عن المشهد السياسي وقتها، فيما كان لدى السادات، وهو يضرب اليسار والناصريين، بدائل أكثر قوة وحضوراً تتمثل في التيار الإسلامي والإخوان أنفسهم... فيما يحاول مبارك استئصال جماعة الإخوان المسلمين من المشهد السياسي برمّته دون مشروع وطني جديد أو بديل سياسي ملائم.
وليست وضعية الإخوان بأفضل كثيراً من النظام. فالتنظيم الضخم الشامل الذي بناه الإخوان وأتقنوا في صنعة بنائه، على غرار دولة بديلة، يصير عند مواجهات طويلة الأمد من هذا النوع عبئاً كبيراً، بل ونقطة ضعف. وهو ما يظل يدفع بالجماعة دائماً إلى إيثار السلامة وعدم التصعيد، برغم تداعيات ذلك سلباً عليها مستقبلاً. فتنظيم الإخوان يمتد في كل أنحاء البلاد تقريباً، ويخترق قطاعات المجتمع المصري جميعها، ويضم في صفوفه نخبة مميزة (تضم دعاة وأكاديميين وسياسيين ونقابيين ورجال أعمال وطلاباً وناشطين في العمل الأهلي...)، سمحت له بالدخول في منافسة مع النظام على الشارع، استطاع حسمها في غير مرة لمصلحته. لكن في صراع مفتوح وممتد، مثل الذي تواجهه الجماعة اليوم، تبدو عبئاً يحدّ من قدرة قادته على إدارة الصراع؛ نظراً إلى كلفته العالية وعدم قدرته على تحمل المواجهات الطويلة لاعتبارات كثيرة بعضها يتصل بوضعه الاجتماعي.
إضافةً إلى ما سبق، لا يزال الإخوان يعانون نتائج عدم نجاحهم في بناء تحالف أو تفاهم مع القوى السياسية الأخرى، بما يمهد لإنشاء كتلة تاريخية تسمح لهم بقيادة التغيير. إذ ما زالت هواجس النخبة والشارع على السواء تجاههم قوية، وكثيراً ما ساعد الخطاب المرتبك للجماعة على تدعيمها. لقد حيّد الإخوان بصيغة التنظيم المغلق، الشارع، وهمّشوا قواه الفكرية والسياسية، فصاروا وحيدين في مواجهة تبدو غير متكافئة مع النظام. أما النخب السياسية على اختلافها، التي تعاني بدورها الهشاشة والضعف، فقد فضّلت مقعد المتفرج العاجز عن الفعل أو المراقب السلبي في معركة، إما أنها لا تخصّها أو أنها مطلوبة ــ بقدر معيّن ــ لإنهاك القوتين العظميين اللتين تكاد تتفق هذه النخب على الخوف منهما: النظام والإخوان!
وتبدو مأساة ضيق أفق هذه النخب في أنها تفتقد القدرة على التمييز بين انحيازها لأحد طرفي الصراع وبين أهمية الحفاظ على مكتسبات الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان المهددة بأن تهدر في هذا الصراع!
* باحث في شؤون الحركات الإسلامية