أحمد هاشم

نعيش اليوم أزمة حقيقية، في قنص القرارات الدولية من الهيئات (المحكمة الدولية ــ الأمم المتحدة ــ مجلس الأمن ــ البنك الدولي ــ صندوق النقد الدولي)، إذ إن أساس استقرار الحياة الاجتماعية، ينطبق على تطبيق قانون العقاب الذي هو الدعامة الأساسية للعدالة الاجتماعية، فيؤخذ حق المظلوم من الظالم أياً كان مستواه ومركزه الاجتماعي، ويعاقب الجاني كي لا تسود الفوضى ويسود مبدأ شريعة الغاب، فالقوي يأكل الضعيف، وبالتالي يضطر كل انسان إلى أن يأخذ حقه بيده، حينها يضيع المجتمع وينفك.
لعلّ قيام الهيئات الدولية، هو أحد أسباب عدم التمكّن من معاقبة الجاني في بلده، نظراً لنفوذه القوي وسلطته الواسعة. وتعمل هذه المحاكم على تثبيت الاستقرار، ومحاسبة الجناة ومعاقبتهم، أياً كانوا، من دون مراعاة لجنسياتهم ومذاهبهم وطوائفهم.
لكن المستغرب أنّ هذه المحاكم لم تقُم بدورها العادل، إذ إنّها تُصدر أحكاماً انتقائية تستند إلى تعليمات سياسية نافذة؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد برّأت المحكمة الدولية الخاصة بيوغسلافيا رئيس صربيا من الجرائم التي نُسبت إليه، بحجة أنه لم يكن قادراً على السيطرة على مؤسسات دولته (يا حرام) ولأنه غير مسؤول عن أفعالهم، كما أنها طلبت توقيف الرئيس السوداني الحالي بحجة أنه متهم بالمسؤولية عن الأعمال الإجرامية التي نسبت إلى مؤسساته في دارفور بناءً على شهادة جمعيات ومؤسسات إنسانية أجنبية.
إنّ هذه الأحكام استندت إلى شهادات ظن لا إلى إثبات واقعي، فلماذا لم تقُم هذه المحاكم بمعاقبة الرئيس جورج بوش ومعاونيه الذين أعطوا قراراً علنياً بقصف العراق وقتل الأبرياء وتدميره، ظناً منهم أنّ هناك أسلحة دمار شامل لم يؤكد وجودها أحد من أفراد لجنة الخبراء الدوليين في هذا السلاح، أو محاكمة وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس لحؤولها دون وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وغزة. كل ذلك رغم أنّ هذه الاعتداءات استعملت أسلحة محرمة دولياً (حارقة وانشطارية وكيماوية) زوّدتها بها الولايات المتحدة مما أدى إلى قتل الأبرياء من أطفال وشيوخ ونساء.
إضافةً إلى ذلك، لماذا لم تصدر المحكمة الدولية قراراً بتوقيف المسؤولين الصهاينة ومحاكمتهم على ما يقترفونه يومياً من أعمال إجرامية بحق المدنيين الفلسطينيين، من طردهم من منازلهم إلى تدميرها وتهجيرهم عن وطنهم، ولا حاجة إلى شهود عيان لإثبات ذلك، فشاشات التلفزة تنقل مباشرة تلك الجرائم الإرهابية.
ألا تفوق هذه الجرائم بكثير المحرقة اليهودية؟
لماذا لم يقدَّم هؤلاء المجرمون ومن معهم من المحرضين على قتل الأبرياء للعدالة لمحاكمتهم؟ من ينصر هؤلاء الأبرياء؟ من يقوم بصد تلك الاعتداءات؟ ألم تؤدِّ هذه الأعمال إلى نشوء المقاومة التي تجاهد للدفاع عن حقوقها الضائعة في أروقة مجلس الأمن الذي يساوي بين الجلاد والضحية؟ أين أصبح ملف معاقبة الحكام الصهاينة على إقدامهم علناً على قتل الأبرياء العزّل في مقر الأمم المتحدة في بلدة قانا، وهل تحتاج هذه القضية إلى شهود؟
هذه الأعمال الإجرامية، وسكوت الشرعية الدولية عنها، لا تداويه بعض التعويضات المادية، بل تحتاج إلى قرار جريء لتوقيف المعتدي ومحاسبته.
لو قامت المحكمة الدولية ومعها الدول المانحة لإعادة الاعمار والتعويضات عن الأضرار الناجمة عن الاعتداءات، بمحاسبة قادة إسرائيل على ما اقترفوه من إجرام في جنوب لبنان، لما تكرّرت جرائمهم ضد غزة.
إنّ الدعم الدولي لهؤلاء المجرمين بحجة الحفاظ على أمنهم، أدى إلى استباحة الأعراض والتوسع في الاستيطان وتهجير السكان من أصحاب الأرض من أوطانهم، وبالتالي كل هذه العوامل أدت إلى نمو العمليات التي يسمونها إرهابي وازديادها، وما على الضحية إلّا أن تحاول إنقاذ نفسها من عصا الجلاد بجميع الوسائل المتاحة لها.