بسبب قسوة الطبيعة وضيق مجالات العمل ترك قسم من الناس حقولهم في جرود عكار والتحقوا بالمدينة. قسم آخر انتشر على الساحل بين العبدة وحلبا، فأقام مباني ومؤسسات، كوّن مشهدها خليطاً من الريف بما يمثّل من تجاور عائلي، والمدينة وما فيها من مؤسسات تجارية وصناعية. لكن القسم الأكبر بقي متمسّكاً بأرضه، يكافح للبقاء، رغم أن فوضى السوق انتقلت إليه وتفاعلت مع تقلبات الطبيعة، جاعلة الضيق سيد الحاضر والقلق عنواناً للمستقبل


عكار ــ روبير عبد الله
على الطريق الممتدة بين العبدة وحلبا، تخترق السيارات المزدحمة سوقاً تجارية ومنشآت متراكبة على جنبات الطريق يزداد ازدحامها كلما فرغت القرى والبلدات الجردية من أهلها، حتى يخال المرء أن أبناء الجرود في أعالي عكار رحلوا ليستوطنوا تلك المحالّ والمنشآت. فالكيلومترات العشرون على طول تلك الطريق لا تكاد تتسع لحشود الباعة وأصحاب البسطات والمحالّ والفبارك والمؤسسات العائلية الطابع بمعظمها.
وإذا ساقتك الأقدار لتسلك إحدى الطرقات نحو القرى والبلدات التي تحسب أنها فرغت من أهلها مثل مشمش وقبعيت وفنيدق، فإنك تكتشف عوالم ما زالت تعج بعشرات الآلاف من الناس، فتسأل: كيف يتدبر هؤلاء أمورهم هنا، وما هي مصادر معاشهم، وكيف يتعلمون ويتطبّبون ويتدفأون والأوضاع المعيشية على ما هي عليه من تردٍّ وتأزّم؟
فبعدما رحل البيك والآغا ورحل استبدادهما معهما، هناك ضيف جديد، عصري و«مهذب»، لكنه أشد دهاءً، لا يلاحق الفلاح ليجبره على ما لا يريد فعله، بل يجعل الفلاح يُكرِه نفسه ويدفعها دفعاً ليكون عبداً له. نقصد التسليف والاستدانة، وفوضى السوق. فالفلاح اليوم حرّ. حرّ في أن يستدين أو لا يستدين، وحرّ في أن يستخدم التقنيات الحديثة أو لا يستخدمها، وحرّ في أن يبيع إنتاجه أو لا يبيعه. إنها حرية السوق، لكنّ من فيها هم عبيد لآلياته.
بعد مفترق العبدة، تنعطف قليلاً لتسلك طريق حلبا، ماراً بمحاذاة قرى وبلدات ببنين ووادي الجاموس وبرقايل وزوق الحصنية. من هناك تنتشر المفارق المؤدية إلى قرى وبلدات تأخذ بالارتفاع عن سطح البحر شيئاً فشيئاً. وعلى وقع تغيُّر الارتفاع، تتغير أنماط الزراعات: بدءاً من البيوت البلاستيكية التي ازدهرت بكثافة في ببنين والمحمرة ووادي الجاموس وبرقايل، ومروراً بالأشجار المثمرة، وعلى رأسها شجرة الزيتون التي يناسبها الطقس المعتدل، ثم تبدأ حقول التفاح المترامية الأطراف كلما ازداد ارتفاع المنطقة واشتدت البرودة حتى تصل إلى بلدة فنيدق على مشارف القمّوعة. هناك تنشط زراعة التفاح، وخصوصاً في العقدين الأخيرين لتبلغ شأناً عالياً، بالنظر إلى جودة الإنتاج وإقبال التجّار على شرائه.
لكن توصيف جمال الطبيعة وخيراتها شيء، وشؤون الناس وشجونهم شيء آخر. خالد عبد الحيّ من بلدة فنيدق هو واحد من النماذج التي تختزل طبيعة المشكلة وشدة الإحباط مقارنة بالتوقعات التي عقدها إزاء بستان له ولإخوته يتسع لثلاثة آلاف من أشجار التفاح. خالد وإخوته صرفوا جهدهم وجنى عمرهم لإصلاح بستانهم وغرسه بنصوب التفاح الواعدة، حتى جاء حساب البيدر مخالفاً تماماً لحساب الحقل. ففي الموسم الماضي، وبعد التكاليف الباهظة التي دفعت ثمناً للمبيدات والأسمدة وأكلاف الحراثة والري وتقليم الأشجار وتشحيلها التي بلغت على ذمته ستة ملايين ليرة لبنانية، وبعد عمله وأولاده طوال النهار في الأرض، كان الموسم مخيباً للآمال.
عبد الحي يشغّل أربع آبار إرتوازية اعتماداً على مولد كهربائي، فجهود الفلاحين لاستجرار التيار الكهربائي باءت بالفشل. أما سعر المازوت فحدّث ولا حرج، ما رفع بالتالي كلفة الإنتاج مقابل ضعف في المردود سببه في الموسم الأخير تغير مفاجئ في حال الطقس. علماً بأن مردود الموسم الوفير، كما كانت الحال العام الأسبق، لم يتجاوز 12 مليوناً، يدفع السمسار سلفة منها، ويسدد الباقي بعد 6 أو 7 أشهر، أي عندما يبيع البضاعة في السوق.
حسن زهرمان، من بلدة فنيدق أيضاً، يبدأ بالكلام وعلامات الإرهاق والتعب بادية على وجهه. يشير إلى قروح بين أصابعه، قائلاً إن كثافة الأمطار والثلوج هذه السنة أخّرت بدء دورة العمل التي تبدأ عادة في شهر شباط. التاجر يشتري الموسم بشيكات مؤجلة لأشهر عدّة، ويبقى حق المزارع مرهوناً بوفاء التاجر. ويقول زهرمان إن ثمة من يأخذ البضاعة ويمتنع عن السداد بحجة انخفاض الأسعار بفعل المنافسة الأجنبية. وثمة تجار آخرون يبتزّون المزارع عند أول عاصفة تؤدي إلى تساقط الثمار على الأرض، فينتظرون تلك المناسبة. وفي مثل تلك الأحوال يضطر المزارع لبيع منتجاته بأبخس الأثمان تحت طائلة كساد الموسم. «باختصار ـــــ يضيف زهرمان ـــــ نحن نتعب طوال أشهر، وإذا رحمتنا الطبيعة وكان الموسم واعداً، يبقى لنا بعد احتساب الأكلاف ومن دون الأخذ في الحسبان أتعابنا وجهودنا على مدى ثمانية أشهر نحو خمسمئة ليرة في الكيلوغرام الواحد، فيما يربح التاجر بصفقة تجارية سريعة أضعاف ما نجنيه، هذا إذا التزم بسداد ثمن البضاعة».
أما في بلدة حرار، فقد تراجع فيها إنتاج التفاح، بعدما تعرضت البلدة لشح في المياه، على ما يذكر أحمد الصياح رئيس جمعية التنمية الاجتماعية. ويفصّل الرجل بأسلوب علمي مشاكل المنطقة، من غياب للروزنامة الزراعية، وعدم اكتراث المراجع المختصة بمراقبة صلاحية المبيدات إلخ. غير أنه يضيف أن بلدة حرار تتمتع بحراك اجتماعي واقتصادي، مكّن الأهالي من مزاولة مهن لمعظمها طابع سياحي كالمطاعم والمقاهي. وهذا الواقع جعل مزارعي التفاح أقل خضوعاً لشروط التجار، لأن أعمالهم ونمط حياتهم وفرتا لهم القدرة على التواصل مباشرة مع السوق، بحيث استطاعوا تصريف إنتاجهم بشروطهم الخاصة، كذلك عمدوا إلى ادخال أنواع جديدة من التفاح أكثر رواجاً مثل «التفاح القزم» الذي يعطي ثماراً بعد سنتين من زراعته.
وفي ظل هذه المشاكل، يفرض السؤال الآتي نفسه: من يثبت أقدام المزارعين في أرضهم، وكيف يتوقف سيل النازحين عن قراهم وبلداتهم؟