ناهض حتر

هل هي الحماسة اللحظية، المنطفئة سريعاً، هي التي دفعتهم إلى ذلك التطوّع المخادع، أم هي جاذبية المنابر الإعلامية، الوجاهة وترجّي الشعبية بالأقوال الحامية، ثم الغياب؟ ومَن سيحاسب الغائبين؟ بل مَن سيتذكر تصريحاتهم وسط هذا الدفق الهائل من الأخبار والتصريحات؟
هناك، بالطبع، السبب المباشر وراء ذلك الغياب المشين: أنّ الكاميرا انتقلت، أثناء سجن الزيدي ومحاكمته، من بغداد إلى غزة، فلم يعد للتضحية أي معنى، ما دامت ستحدث في الظل.
والسبب الضمني هو غياب الجهات المموّلة لـ«المتطوعين» للدفاع عن الزيدي. وغياب التمويل هو عذر مقبول بالنسبة لصغار المحامين الذين لا يملكون ما يغطي مصاريف تطوعهم، لكنه ليس عذراً للمحامين الكبار والنقابات والاتحادات. ولسوف يحدثونك بأن التراجع العربي العام عن التطوع للدفاع عن الزيدي أو نصرته، رد غير معلن على الموقف السياسي للصحافي العراقي الذي ودّع الغازي جورج بوش بحذائه، فأحيا شيئاً من كرامة العراقيين والعرب، حيث هو رفض من محبسه، تطوّع محامي الرئيس الراحل صدام حسين للدفاع عنه. وربما كان ذلك مقنعاً بالنسبة للبعثيين الصدّاميين الذين أرادوا استثمار قضية الزيدي حزبياً، فأحبط الشاب اليساري السجين مسعاهم. ولكن ماذا عن الآخرين؟ إنها ذريعة مناسبة. فهي لا تحيل إلى تنصّل بل إلى موقف.
خلال 33 عاماً من ممارستي النشاط السياسي، لم أجد متنصلاً واحداً يقول إنه تورط بإطلاقه وعداً لا يستطيع تحمل أعبائه أو يقول إنه لم يعد قادراً على تلك الأعباء. الحل دائماً جاهز: افتعال خلاف سياسي، وغالباً من موقف متطرف يمثّل وسيلة دفاعية ملائمة للتنصّل.
هي أكثر من مرارة يا عدي الزيدي. فالآلاف من المثقفين العرب القوميين واليساريين المتربعين على السدّة، يعيشون تناقضاً بين متطلبات خطابهم، الضروري لاحتفاظهم بمواقعهم ووجاهتهم، وبين مواقعهم الاجتماعية البورجوازية وارتباطاتهم المعقدة بشبكة النظام المسيطر. وقد وجدوا الحل في الإيمان بميكافيلية عامية تبرّر الفصل التام بين الأخلاق والسياسة. ولكن ميكافيلي حصر حق الانفصال عن الأخلاق بالدولة القومية، ومن بعده حصرها تلميذه الكبير، لينين، بالثورة. وفي الحالتين، فإن الدولة والثورة معاً، تتطلبان من رجالهما التزاماً أخلاقياً صارماً. وفي العالم العربي، حيث لا دولة قومية ولا ثورة، ماذا يبقى غير الأخلاق بالنسبة للمثقف؟
سوف نستثني، بالطبع، حالات محكومة بالضمير الشخصيّ العصيّ، لكن الأغلبية الساحقة من المثقفين العرب، في صفوف الأنظمة والمعارضات معاً، يسيرون، فعلياً، وفقاً لمصالحهم الفردية. وسوف يخلق ذلك شعوراً، لا يخلو من الصحة، لدى العامّة، بأن النخب، بغض النظر عن مشاربها الفكرية ومواقفها السياسية، «تشتغل بالسياسة»، أي تتعيّش منها.
وهذا المفهوم للعمل السياسي مكرس صراحة في الولايات المتحدة. فالسياسة «مهنة»، والعمل لمصلحة دولة أو جهة أجنبية، هو وكالة مسجلة قانونياً. المثقف العربي يتطلّع إلى هذا النموذج لتبرير سلوكه الفعلي، لكنه يلحّ على منحه عباءة نضالية أو جهادية. وهو يتجاهل أن المناضل الأميركي الملتزم، كما في العالم كله، لا يتخذ السياسة «مهنة»، بل معنى محورياً للحياة.
وكان الأمر كذلك في بلادنا، قبل النفط الذي هيمنت قيمه الريعية اللاإنتاجية على أخلاقيات النخب العربية. وقد تسلل البترودولار إلى قلب حركة التحرر العربية، أولاً، عن طريق منظمة فتح، فعملت، بما لديها من شرعية فلسطينية ووجاهة قومية، وسيطاً بين النفط العربي والمناضلين الفلسطينيين والعرب. إلا أن التمويل النفطي لم يشمل الجميع بالطبع، ولكنه ألهم الأكثرية قيمه اللاأخلاقية.
البترودولار الخليجي تراجع عن هذا الدور منذ مطلع التسعينيات، حين أصبح له، في زمن الهيمنة الأميركية الكاملة، مثقفوه الصريحون وقواه ووسائله الإعلامية. وإذ ذاك، تقدمت إيران لاستخدام ريعها النفطي في الاتجاه نفسه. ويصف السيد حسن نصر الله المال الإيراني بأنه «طاهر»، ولكنه، في الحقيقة، كالمال الخليجي، ناجم عن ريع نفطي في منبعه، ويقود إلى التفسخ الأخلاقي في مصبه حتماً. فكل مال لا تنتجه السواعد والعقول في كدح التنمية المحلي، ليس طاهراً، بل من شأنه أن يدمّر الطهارة، حتى حينما ينجو من الفساد الشخصي، وينشئ بنىً هي، بالضرورة، غير إنتاجية، وبالتالي غير أصيلة وغير أخلاقية.
الأخلاق، بمعناها العام المؤسس على الصدقيّة والالتزام والكرامة والإنسانية وأولوية المصالح الاجتماعية الوطنية، لا بمعناها الخاص بالشأن الجنسي الذي يربط العربي بينه وبين الشأن الأخلاقي، هي الأساس الأول للممارسة السياسية التي يحتاج إليها العالم العربي اليوم، للخروج من مأزقه التاريخي المستحكم. فالعرب يقفون في أدنى السلّم في جميع المجالات التنموية والاجتماعية والثقافية. ولم يعد الغرب فقط متفوقاً عليهم، بل آسيا وأميركا اللاتينية، بل إن أمماً إسلامية، مثل ماليزيا، استطاعت، في ظروف أسوأ، أن تكسر الحاجز التنموي وتلتحق بالعصر، بينما لا يزال العرب خارجه.
التغيير والنهضة عملية تاريخية ترتبط أولاً، بتكوّن نخب سياسية من طراز جديد، لن تلتئم ولن تلعب دورها من دون الالتزام الأخلاقي الصارم لأعضائها، فردياً وجماعياً، بالقيم التي تلغي المسافة بين الفردي والعام. أي التماهي الشخصي مع القضية النضالية إلى حدّ التطابق، بحيث تصبح الحياة الفردية في خدمة الفكرة لا العكس. المقاومون والشهداء من أبناء الشعب، يقدمون هذا النموذج، ولكن أثره الثقافي العام يظل محدوداً جداً، وخصوصاً حين يمكن تفسيره بالدوافع الدينية. لكن الأنموذج نفسه، إذا تجسد في نخب قيادية، سيتحول إلى مطلب ثقافي عام.
هل يبدو هذا المقال أقرب إلى موعظة؟ ربما. ولكنني، أقله، أفكّر فعلاً في هذا الاتجاه، بعد تجارب مريرة في الفشل المتكرر للظواهر النضالية الجديدة التي سرعان ما تنكشف هشاشتها، لا لأسباب موضوعية، ولكن، بالأساس، جراء اضطراب أخلاقي. وهو اضطراب لا ينحصر، فقط، في اتّباع الخاص على حساب العام. فهذا جزء من المشكلة التي تتمدد لكي تشمل أيضاً، ضعف الهمة للعمل النضالي، والتشاؤم، والرغبة في تجنّب النقد وتلافي الصراع، ورفض الاعتراف بالأدوار القيادية للآخرين. وفي موضة منتشرة لتبرير الانتكاس، يجري التركيز على نقد «الشعب». وكأن الشعب معطى ثابت وليس تعبيراً عن موازين القوى المطلوب تغييرها من النخب، لإعادة صوغ المجتمع في سياق تنموي ثقافي تقدمي.

* كاتب وصحافي أردني