كيف يعيش شاب عشريني تجربة الغربة، كيف يعيش الانفصال الأول عن الأسرة، بين لبنان وفرنسا تختلف الحياة كثيراً، وقد يكون الحكم النهائي لقضية شاب في غربته: أعيدوني إلى أسرتي، أصدقائي، شارعي، أعيدوني إلى مجتمعي... فواجبي إصلاحه بيديّ وأدواتي، لا بأدوات مستوردة، فأضيف إليه ما أراه صحيحاً، وأحميه مما رأيته خطأً. وقبل العودة استعادة لأربع سنوات بعيداً عن عيون الأم والأب والمجتمع...

خضر سلامة
الطيب صالح صديقنا، يحق لك ما كان حقه يوماً: السقوط في حفرة التجربة والحكم المؤبد بنقد كل ما يقع بين يديك وفي عينيك، إليك بقلم ومجتمعين، الأول حملته في حقيبة سفرك، والثاني حملك منذ حطت قدماك في أرض لا تعرفها، بينهما من التصادمات ما يكفيك مداداً لذكرياتك، ماذا غيرت فيك الغربة؟ ماذا صنعت منك، وماذا صنعت بها؟
الأب الحاكم والحكيم، الأم الحنون والصارمة، إخوتك وأبناء أختك، وأقارب كثر، العائلة الكبيرة التي اعتدت التعثر بها كل يوم، تصبح فعلاً مستتراً بالمسافات، أكتشف أول نقطة ضعف في بصيرتي، كان لي دوماً من يعد لي عاطفته لإشباع عاطفتي، الأسرة غائبة، كان عليّ أن أتعلّم البكاء في الأسابيع اللاحقة لوصولي إلى فرنسا، الغربة، «بروفه» قصيرة لمادة غياب الأحبة الحتمي، شيئاً فشيئاً، تشد القلب بالأصوات في الهاتف، بتمزيق أوراق الروزنامة وعد الأيام الباقية لمنتصف حزيران الأول، وبعد ذلك، شعرت، كلما أعادني نهاري إلى غرفتي الضيقة، بأن ثمة شيئاً يتمزق، لا أحد يستلم مهمة الأم فيسألني «كيف كان نهارك؟»، أو يتململ من السهر الممتد إلى الفجر ويقلق فيشعرك بأن هناك من يكترث لك، «وين بعدك؟» «ليش تأخرت» «قلقتنا عليك»، كم كنتَ أيها المسكين تطالب بالتحرر من هذه الرقابة اللصيقة على يومياتك، وعندما حصلت على مرادك، بكيتَ ألماً!
كنت في الثامنة عشرة، عندما وصلت إلى باريس، أخذت استراحة قصيرة على مقعد، أخبرتني عجوز أن بناتها الثلاث لم يزرنها مذ قررن الانتقال للسكن خارج منزل العائلة! و»الاستقلال» بعيداً، صُدمت، قلت لعلها استثناء، لكن السيدة الحزينة ليست استثناءً هنا، الأسرة مؤسسة ضعيفة في غرب الخريطة، الأسرة مؤسسة قمعية في شرقها، أحياناً حد الاختناق، لكنها رغم ذلك حنونة، لا تسمح لك بالوحدة الغليظة، تكون هنا عندما تحتاج إليها.
بانتظار الباص، تعرفت إلى طالبة إيطالية، سمراء، خضراء العينين، ابتسامة فسلام فموعد، فمساكنة امتدت أشهراً، كانت التجربة الأولى، لم أخبر عائلتي طبعاً، أظنهم يقرأون الآن ويكتشفون ذلك، جربت المساكنة، العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج دون خوف من «حكي الجيران»، بعد «جوليا»، أقفلت عامي الأول على ثلاث علاقات عاطفية... لم أحسب حساب الرقابة الاجتماعية، وعرفت أن الفتاة هنا، لا تخاف من سوط أبيها، أو أخيها، السنة الأولى سقطت في فخ الجنس المتفلت من التابو الرمادي المحظور، وأعجبني ذلك.
مساكنة، قبلة بين عشيقين في حرم الجامعة، علاقة عاطفية «معلنة»، عهد الزواج ليس شرطاً للعشق... أتردد في إخبار العائلة، كنت أكتفي بتمرير أحوالي العاطفية في قالب النكات والمزاح، انتبه، لا تتجاوز خطوط مجتمعك الحمر.
في سنتي الثانية، قررت الخروج من ثكنة السكن الجامعي. كان جاري يعطي ساعة من وقته كل يوم لمرافقة الكلب، ولا يعطيني إلا ثانية لرمي سلام فولكلوري عاجل، عرفت أسماء الجيران من عناوين صناديق البريد الملاصقة، ومن «كبسات» الشرطة عليّ للطلب مني خفض صوت الموسيقى ليلاً بعد شكوى أحدهم، أين جيرة البلد؟ أين حيي القديم الموغل في التكوم كعائلة أفريقية قابعة في غرفة صغيرة، «صباح الخير يا جار، ميّل عمنقوشة»، «وين ما بينت إلك فترة؟»، تباً، غبت عن منزلي هنا شهراً كاملاً بداعي السفر، وعند عودتي، الـ»بونجور» الباردة نفسها انتظرتني صباحاً. من يكترث أيها الوافد؟
قضايا التحرش الجنسي بالأطفال في الأسرة تمثّل عنواناً رئيسياً في الصحف، الخجل لا يحق له حظر التوعية، المرأة كائن كامل الحقوق، لكنها تتحول في أفق هذه الحرية إلى سلعة بشعة، الجماعات المثلية تملك عناوين ثابتة، يحق لهم، لكن الإباحية المتطرفة إعلامياً تجرح ثقافتي المحافظة، حقوق الطفل ضمن الأسرة ورقابة الدولة عليها حاضرة، لكنها مجردة من العاطفة الضرورية في حالات معينة، الطالب الجامعي محرر من التدخلات السياسية والخارجية، لكنه محاصر بماركات تجارية تحيله إلى مستهلك، العنصرية الدينية والعرقية ممنوعة منعاً باتاً، لكن النصوص لا تدري بما تخبئه النفوس المريضة أحياناً، الصداقات ساعات موقوتة على مدة السنة الدراسية أو دوام العمل، أو موعد انتهاء سهرة نهاية الأسبوع، تنقصها الحرارة والصدق والقناعات والتجارب والبيئات المشتركة.
يوميات سريعة، ربما، نقد ذاتي، ممكن، لكن الأكيد، أن للغرب وجهين، هما وجه جميل بحريته ونظامه وتشريعاته وتراتبية مجتمعه، ووجه قبيح فيه مادية متطرفة وحرية متفلتة في أماكن كثيرة، وغياب القدرة على دمجك في اللغة الركيكة للمشهد حولك.. الحكم النهائي لقضية شاب في غربته.



حرية التعبير

في المجتمع الستراسبورغي اليميني الهوى، لم أحاسب اجتماعياً على يساريتي، أنتقد جان ماري لوبان وسلوكه، فلا أعاير بسلوك جوزيه بوفيه مثلاً! المجتمع السياسي منفتح، حق الاختلاف عن الأغلبية لا يضمنه الدستور وحده، بل تضمنه الأخلاقيات المدنية والمواطنية أيضاً. درس جديد في حقوق الإنسان البدائية أتعلمه بعيداً عن قولبة الرأي من حيث أتيت، الحرية السياسية ضمن التشريعات تنعكس حرية اجتماعية ضمن الأخلاقيات، ثورات الستينيات الطلابية كسرت التابوهات الاجتماعية في أوروبا، نحن الشباب إذاً، نستطيع التغيير عندما نطلبه ونمزجه بالوعي وبالغضب. درس مهم.
وهنا يجدر التوقف عند الإحساس بالغبن الذي يراود الشباب في لبنان والوطن العربي، إحساس ناجم عن العجز عن التغيير وإدراك هذا العجز