فادية حطيط

أنا أحب الهدايا.
وأكثر ما أحب من الهدايا تلك التي تنتثر في النفس وتملأها من دون أن تفيض.
وأكثر ما أحب من الهدايا تلك التي تبقى حتى وإن مضى الوقت بها، فلا يخف أثرها ولا يبهت.
وأكثر ما أحب من الهدايا تلك التي تغير شيئاً من أنفسنا فلا نعود معها ما كنا عليه، ولا نعود نحن معها نحن، ولكن لا نحن نكبر ولا نحن نصغر.
وأكثر ما أحب من الهدايا تلك التي تأتي حين نتوقع. فكأنما جاءتنا لأننا رغبنا بها. أي تلك التي تتصل بالرغبة أو تنبئ بها. وبعض الرغبات لا تأتي بغير هدية. وبعض الرغبات هي الهدية.
وأكثر ما أحب من الهدايا تلك التي لا نعرف قدرها أبداً، فنظنه أكبر مما توقعنا، ونظن أنها أضافت إلى حياتنا الكثير، ثم نكتشف أنه أكثر. ونقول في أنفسنا إننا من دون تلك الهدية كنا فقراء وبها اغتنينا من غير ثروة.
وأكثر ما أحب من الهدايا تلك التي تقدمها الأم لأولادها كل يوم. فهي تحكي لكل واحد من أبنائها حكاية، وكلما احتاجت أن تقول له إنها تحبه ـــــ والأم تحب أبناءها أكثر مما يمكن لكلمة واحدة أن تقوله ـــــ كانت تحكيها له.
وحكاية الأم لا تشبه الحكايات، إذ البطولة فيها تبدو في الظاهر مستحقة لأبنائها من دون أي ثمن. وهي تجعل لهم في القصة كل الأفعال والبداية والنهاية ولا تترك لغيرهم شأن ولو ضئيلاً في كل هذا. حتى الأشرار المثيرون تبعدهم. حكاية لو قرأها الغرباء لقالوا إنها الفراغ نفسه. مع ذلك فحكايتها تبدو كأنها مصنوعة من السحر الخالص، بحيث إن أبناءها ليسوا فقط لا يملّون من سماعها لكن في كل مرة يكتشفون أن أمهم وضعت فيها معنى جديداً وأن عليهم أن يعيدوا التفكير بمسارها مجدداً. ثم إنها حكاية تملأهم. حين يظنون أنهم نسوها يكتشفون أنها تختبئ في جيوبهم وفي جواريرهم وفي قلوبهم أيضاً.
والغريب الغريب أن الأبناء في كل مرة يسمعون حكاية أمهم ينتظرون على الفور أن ترويها لهم مجدداً. ومع أنهم يحفظون القصة عن ظهر قلب فإنهم في كل مرة يتشوقون أن ترويها لهم من جديد. كأنما الشوق يتولد من روايتها.
الحكاية ذات البطل الأوحد والتفصيل الواحد تبدو للأبناء شديدة الصعوبة والتعقيد. فهم وإن عرفوها بدقة يريدون معرفتها أيضاً. والعجيب العجيب أن حكاية الأمهات تلك المتكررة والمستعادة تبدو في كل مرة جديدة. والأعجب أنها تستحوذ على حواسهم كلها. يسمعونها، يحدقون فيها، يلمسونها، يشمون رائحتها، ويتذوقون طعمها. ورغم ذلك يبقى شوقهم كبيراً. شوق كبير وغائم وعميق. شوق مخيف.
شوق الحكاية هو سحرها. فما إن تسمع كلماتها حتى تظن أنك بدأت للتّو السماع، وما إن تفهم معنى ما حتى تظن أنك ولدت تلك اللحظة عينها. رب قائل إنه التجدد بعينه، وإنه هو الفرح بعينه، ولكنه مخطئ بالتأكيد فليس أصعب من الولادة في كل حين.
للأم طريقة خاصة في تقديم الهدايا.... الهدايا التي تتصل بالرغبة أو تنبئ بها... الهدايا التي تصنع الشوق... الهدايا التي ترسم الدروب.