الياس تملالي *

وعندما طلب منه مدير الجلسة التوقف عن الحديث لأن «الوقت يداهمنا»، ذكّره أردوغان غاضباً، بأن بيريز تحدث 25 دقيقة ولم يتحدث هو إلا نصف هذه المدة، وغادر الجلسة حانقاً، قائلاً إنه لن يعود مرة أخرى إلى المنتدى، وتاركاً في طريقه على المنصة الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى في حرج ما بعده حرج: أيغادر هو أيضاً أم يبقى؟ اختار وقد تلفت حائراً يميناً ويساراً البقاء بعدما صافح أردوغان تحية له.
قوياً جداً لكنْ حصيفاً أيضاً كان غضب أردوغان، وكذلك غضب تركيا الرسمية أيام القصف، حين وصفت أفعال إسرائيل بنقطة سوداء في تاريخ الإنسانية، ودعت ضمناً إلى طردها من الأمم المتحدة، وذكّرتها بأن المسلمين هم من احتضنوا اليهود سنوات المذابح. لكن... استمرت تدريبات الطيارين الإسرائيليين في القواعد التركية خلال الحرب، رغم سخط شعبي نال بالأحذية فريق كرة سلة إسرائيلياً لم يهضم الأتراك أن يأتي إلى بلادهم للعب بينما الطائرات الإسرائيلية تدك غزة.
لم تسحب تركيا سفيرها من إسرائيل ولم تستدعه للتشاور حتى، ولم تستدع السفير الإسرائيلي لديها للاحتجاج أو الاستفسار على الأقل. ومع ذلك من يتمعن في ملامح أردوغان ووزراء أتراك آخرين، يلمح غضباً أصيلاً جداً، لكنه مدروس، قاعدته: على الطرف الآخر أن يعرف أنك لست راضياً عنه، لكن لا تستعْده أكثر من ذلك.
بالتأكيد يعرف أردوغان إلى أي مدى يمكن لحكومته التحرك، فهو محكوم بعلاقات دقيقة: مع أميركا وإسرائيل وأوروبا، وقبل كل ذلك بعلاقات مع نخبة علمانية لا تكن له كثيراً من الود، ومع مؤسسة عسكرية لها تاريخها في التعاون مع إسرائيل. أما هذا الوطن العربي الذي أراد الانتصار له، فيعرف أردوغان أكثر من غيره أنه لا يستطيع التعويل عليه لحظة الجد.
إنها تركيا وكأنها تقول للعالم العربي ليس لديكم ما تخسرونه إن غضبتم قليلاً! لن تقذفوا صواريخ بل كلمات فقط، ونحن عندما وصفنا إسرائيل بأقسى الأوصاف في الحرب، كان الرد الإسرائيلي «إن موقفكم مؤسف». هذا كل شيء.
لكن أكان أردوغان يجرؤ على قول كل ذلك لو لم يسند ظهره برأي عام انتخب حزبه بديموقراطية؟ أكان يجرؤ على قول كل ذلك لولا ثقته في أن إسرائيل لا يمكن أن تضحي بتركيا بسبب غضبها على ما أصاب غزة؟ فهذه الدولة القوية ذات الجيش العتيد، العضوُ في الحلف الأطلسي والصديق الذي لا تستغني عنه أميركا، الفاعلةُ في العالم الإسلامي وفي أي تسويات في سوريا والعراق، أكبر من أن يتخذ في حقها قرار مصيري بسبب غضب، وإن كان غضباً أصيلاً.
لا بد أن كل تلك الأوراق الرابحة كانت حاضرة في عقل أردوغان وهو يغضب لغزة، ذلك الغضب الذي تمنى كثير من العرب أن يقتبس قادتهم ولو عشرة في المئة منه. تلك الأوراق هي التي جعلت الرئيس عبد الله غول يقول يوماً في لقاء مع قناة «الجزيرة» وهو وزير خارجية، إنّ أسلافه العثمانيين حاصروا فيينا يوماً ما «لكنها للأسف لم تسقط»، في وقت كان فريق التفاوض التركي يطرق أبواب اتحاد أوروبي تقف النمسا على بابه بالمرصاد.
* كاتب جزائري