فراس الشوفي

إذا مررت اليوم في شارع الحمرا، فقد تلحظ لافتة تعود بك إلى عام 82، عندما نفّذ البطل خالد علوان أول عمليّة للمقاومة الوطنية ضدّ الجيش الإسرائيلي بعد احتلال بيروت، مطلقاً النار على جنود للاحتلال كانوا يحتسون القهوة في مقهى الويمبي. وقد تلحظ أيضاً أن مقهى الويمبي بذاته، قد حمل أمتعته ورحل من الشارع.
وفي الجهة المقابلة للافتة، يرقد مقهى «ستاربكس» آمناً بروّاده، وعلى سبيل الذكر، فقد حصلت شركة «ستاربكس» منذ أعوام، على جائزة أفضل صديق للصهيونيّة بمناسبة مرور خمسين عاماً على قيام دولة إسرائيل. المشترك الوحيد بين المشهدين على ضفتي الشارع هو القهوة، فلعلّ السبب الأول في مقتل الجنود منذ ربع قرن هو شربهم للقهوة في أوّل عاصمة عربيّة يدخلها الجيش الإسرائيلي بعد القدس، بينما ينقلنا فنجان في «ستاربكس» إلى صفوف النخبة المثقفة التي تكتب وتغني عن فلسطين والقضيّة بين الفينة والفينة.
أمّا المضحك المبكي، وقد يعلّق البعض على كلمة «مضحك»، فهو مشهد القوى الأمنية التي هبّت للدفاع عن «ستاربكس» بوجه حفنة من الشباب المؤمن حقّاً بالدفاع عن فلسطين وأهلها، عندما حاولوا الاعتصام أمام المقهى، لحثّ روّاده على المغادرة ومقاطقة إسرائيل بأكثر شركاتها علنيّةً. فهم لا يملكون الصواريخ ولا يعيشون على أرض فلسطين، وهذا ما ملكت أيمانهم. بينما وقفت هذه القوى نفسها مكتوفة الأيدي عندما تعدّى خفافيش الليل على لافتة الشهيد خالد علوان، ابن بيروت، الذي افتتح معركة المقاومة عن كلّ الأمة.
ناس بسمنة وناس بزيت، هو الانطباع الأول عن هذه المشهديّة في شارع واحد، يجمع المقاومة وإسرائيل. لماذا تكون «ستاربكس» بسمنة؟ ولماذا نتنكّر (بعضنا) لشهدائنا؟ بالطبع لو تعدّى المعتصمون على «ستاربكس» لقامت الدنيا ولم تقعد، تماماً كما قامت ولم تقعد عندما حدث إشكال أمام اللافتة المذكورة منذ شهرين، وكان مجلس الأمن على وشك الدعوة لجلسة طارئة لمعالجة ذيول الحادث، بينما اكتفى بالاستمتاع بمشاهد اللحم المتناثر على الشاشات في غزة. ماذا لو علم خالد علوان بكلّ هذا الهرج والمرج؟ ماذا لو عرف شهداؤنا الذين لا يحصون، بكلّ هذه الوقاحة، وهذا الاستهتار بدمائهم؟ بالطبع لعادوا أكثر تصميماً وإصراراً على ما فعلوه؛ فالسرّ يكمن في الزبدة، وزبدة الحديث هي المقاومة.