عن بعد 3 كيلومترات من مدخل الهبارية تستطيع أن تشمّها: رائحة كريهة لدرجة تمنعك من التنفّس. ترافقها، أسراب من البرغش غير المألوف وجوده هنا في هذه الطبيعة الجردية النقية. تدخل منازل في المنطقة، فتدخل الرائحة معك، جاعلةً من حياة السكان مستحيلة. مصدر الرائحة؟ مشروع متطوّر للصرف الصحي أقامته «مرسي كور»، لكن امتناع البلدية عن توظيف عامل للصيانة قلب المعادلة رأساً على عقب


العرقوب ــ نداء أبو همّين
تسكن الحاجّة عفاف بركات على بعد 50 متراً من «الغرفة». والغرفة، مصطلح للتدليل على بناء مشروع الصرف الصحي في الهبّارية، وهو مشروع متطور قامت به «مرسي كور»، يهدف إلى وظيفته الأساسية، إلى «إعادة تدوير» المخلّفات وتنقية المياه المبتذلة. تجهل السيدة السبعينية كيف انقلب المشروع من نعمة إلى نقمة. «في البداية كان ماشي الحال، وما في ريحة. لكن بعد تركه بدون صيانة صارت العيشة ببيوتنا تعتير: الحشيش متر، والفضلات تغطي محيط الغرفة». تختم كلامها ساخرة بلهجة أهالي العرقوب «صار للحية قرون» تقصد من كثرة أكلها للأوساخ!
يكرر محمد نبعة، الذي يسكن بجانب دكّانه القريب من المنطقة المتضررة، الشكوى نفسها «أكلنا البرغش وأولادنا يقعون ضحية الأوبئة التي تزداد بتعطّل المشروع. اشتكينا مرات عدّة للبلدية، لكن لا حياة لمن تنادي. حتى دكاننا باب رزقنا تأثر سلباً» يقصد لجهة إقبال الناس.
وككل «المجاورين»، يشتكي د. نبيل زاهر من حال المشروع التي لا تشجّع الجيران على البقاء في المنزل فكيف باستقبال ضيوفهم؟ «ماذا سأقدم إلى الضيف؟ رائحة وبرغش؟ زوجتي وبناتي يفضّلن البقاء في بيروت حتى في الأعياد على المجيء إلى الضيعة». لكن ألم يبحثوا عن حل. يقول الدكتور «صرنا شارحين الوضع للبلدية مرات عدّة، ولكن لا حلول لديها».
وبما أن الأهالي يجهلون سبب المشكلة، قصدت «الأخبار» رئيس بلدية الهبارية علي محمد عيسى. يقول عيسى إن المشروع موّلته منظمة «مرسي كور»، الدولية غير الحكومية، التي تصنّفها وكالة التنمية الأميركية، شريكاً تنفيذياً. ويضيف «أظن أنهم اعتبروها تجربة، فإن صحت كان به وإن لم تصح مش خسرانين شي»! لكن أليست هناك مسؤولية على البلدية في ما يحدث؟ يجيب إن «هذا المشروع لم يجرِ تسلّمه رسمياً حتى الآن، ولا ملف له في أدراجنا»! يبدو كلامه غريباً على وقع تصريحات رئيس البلدية السابق، الذي أكّد لـ«الأخبار» أن البلدية تسلّمته رسمياً. ولكن؟ ماذا عن الصيانة؟ أليست مسؤولية البلدية؟ يسكت هنيهة مداعباً سبحته ليقول: «جربنا صيانتها، ودفعنا أموالاً دون جدوى. فالجورة بدائية مقارنةً بالغرف الصحية التي شيّدت لاحقاً في المنطقة». ولم يوظّف عامل الصيانة الذي درّبته «مرسي كور» كما فهمنا؟ يقول «البلدية لا تستطيع القيام بأعباء هذه الوظيفة المادية». يشار إلى أن رئيس البلدية السابق خصّص فقط مئة ألف ليرة لهذا العامل شهرياً ما دفعه للاستقالة بعد 4 أشهر. لكن إن كانت البلدية لا تستطيع توظيف عامل، أو صيانة المشروع فما الحل؟ يرى الرجل الحل «جذرياً، أي إعادة بنائها من جديد»، مضيفاً «هذا ليس كلامي بل لخبير استشرناه كبلدية». ويختم بالقول «في كل الأحوال نحن موعودون بمشروع صرف صحي شامل للمنطقة كلها، حسب وعد أحد النواب».
«الأخبار» قصدت المشرف على المشروع من جانب «مرسي كور» المهندس سعيد زاهر، الذي قال إن «رئيس البلدية السابق وقّع اتفاق تعاون بين البلدية وبيننا. قدمت بموجبه البلدية بقعة الأرض التي سيُبنى عليها المشروع، وما يلزمنا من الردم على أن تكمل «مرسي كور» المشروع. أما الصيانة، فعلى عاتق البلدية. وخصوصاً أننا أهّلَنا عاملاً للصيانة، وجهّزناه بكتيّب مصوّر لتسهيل العملية، ولا أدري لمَ لم تعيّنه البلدية!». وأضاف المهندس «أريد لفت النظر إلى منافع المشروع، إضافةً إلى مهمته الأساسية. فهو ليس فقط للصرف الصحي، بل يعمل على تخمير الفضلات وتحويلها إلى غاز يستفيد منه حوالى عشرين منزلاً على الأقل في التدفئة. أما المياه المبتذلة التي تكرّر، وتخرج صافية كمياه العين، فتُستخدم للري. كما أن الفضلات تصبح ناشفة كالقطن، ويمكن استخدامها أسمدة للمزروعات».
ويضيف: «عندما أنهينا المشروع مددنا أنابيب من المنازل إلى الجورة الصحية، وذلك بتمويل من البنك الدولي، الذي أشرف مهندسوه على هذه العملية، وأكدوا حسن التنفيذ. لكنهم طلبوا تجميل مظهره الخارجي، وهذا ما حصل. وأذكر أن هؤلاء قالوا: هذه الجورة تكفي لفضلات 4000 شخص، كما أعلنوا رضاهم التامّ. كذلك جاء مهندس اختصاصه صرف صحي، وهو عميد في الجامعة الأميركية، وأعلن رضاه عن المشروع َََوسلامة التنفيذ». ثم يختم متسائلاً: «كيف تريد أن تشتغل الجورة ولم تجرِ صيانتها؟»
يؤكد الرئيس الأسبق لبلدية الهبارية الحاج محمد علي أبو همّين ما قاله المهندس. ثم يبدي استغرابه «عندما تسلّمنا المشروع كان يعمل بطريقة جيدة. لا بل إن الأهالي فرحوا بالنتيجة، وخصوصاً عندما اشتعل الغاز في أحد المنازل». لكنه لا يعلّق على استقالة عامل الصيانة الذي دربته «مرسي كور» بعد أربعة أشهر من تعيين أجر مئة ألف ليرة شهرياً له، ما سبّب توقّف صيانة المشروع، وبالتالي حصول ما حصل، وهو أمر كان من الممكن تفاديه لو أن البلدية أعطت الرجل على الأقل الحد الأدنى للأجور.
تبقى معرفة وجهة نظر «مرسي كور»، التي ردت بالرسالة التالية: «إن «مرسي كور» تهتم بمصلحة سكان الهبارية ونوعية مياههم ونتائج معالجة المياه المبتذلة من خلال مشروع الصرف الصحي. قبل البدء بالعمل، وقّعنا اتفاقاً مع البلدية بشأن دور ومسؤوليات كلّ من «مرسي كور» والبلدية في بناء المحطة. بعد انتهاء إعمار محطة الصرف الصحي، درّبت «مرسي كور» مجموعة لجان من المجتمع المحلي، عيّنتهم البلدية، على كيفية صيانة المحطة، وذلك من جانب مختصين بهذا المجال. ثم وقّعت البلدية وثيقة التسليم والتسلّم مع مرسي كور، التي حدّدت مسؤولية البلدية بصيانة هذه المحطة بعد تسلّم المشروع».