حلا ماضي

ما إن يبدأ الطفل بالنّمو واستيعاب الأمور من حوله، حتى يروح الأهل يرددون على مسامعه عبارات كـ«أريدك أن تصبح طبيباً مشهوراً كوالدك»، أو «محامياً كأمك»، أو «مهندساً كجدك»...
تشرح ناتالي إيزوريه، المتخصصة في علم نفس الأطفال، أن الأب (أو الأم) الذي يريد بكل قوته أن يصبح ولده استمراراً له، أو نسخة طبق الأصل عنه، هو أب لم «يقطع بعد الحبل السري» الذي يربطه بولده. يشعر بأن ولده يجب أن يبقى فلذة من كبده إلى أبد الآبدين: والرسالة من نوع: «ستكون طبيباً كأبيك!» تكشف عن أم (أو عن أب) تفرض رأيها بالإكراه، وتتصرف كأن الولد لا يملك أية إمكانية أو أي حق في أن يختار ما يشاء.
وتضيف إيزوريه أن «الرسالة المنحرفة» المفسدة التي تطالب الولد بأن يشبه أحد والديه هي شكل من أشكال الابتزاز الذي يصح فيه القول: «لكي نستطيع أن نحبك، يجب أن تشبهنا... وإذا لم تكن على صورتنا فسنحبك أقل أو نتوقف عن حبك». ويخبئ هذا الابتزاز الضمني رغبة قوية لدى الوالد (أو الوالدة) في أن يتمكن من الاستمرار في الحياة من خلال ولده.
وترى إيزوريه أن الولد إذا انصاع لرغبة أهله وتبنّى مهنة والده، يساعد والداه على إبقائه «طفلاً» لأطول وقت ممكن، كما لو أنهما ما زالا يبحثان عن سبيل أخير ليمنعاه من أن يكبر، ويعطيانه الشكل الذي يريدانه فيصبح الولد أحياناً شخصاً مثيراً للسخرية لا يمكن الوثوق به، ميالاً إلى الشجار، مدّعياً وخدّاعاً ومكّاراً، وتضعف قدرته على اتخاذ القرارات والاستقلالية، ويُقضى بذلك على حسّه النضالي، فلماذا يضطر الولد إلى مواجهة الحياة إذا كان الطريق قد رُسم مسبقاً؟ لا يحتاج إلى مراجعة أفكاره وقراراته. والأهل الذين فرضوا عليه «أن يصبح كأبيه» قد خلقوا منه رجلاً آلياً، وحتى إن أصبح طبيباً في نهاية الأمر، فلن يلمع في مهنته حيث لن يلفت انتباه أحد على الأرجح، إلى أن يتمرّد، متأخراً على أوامر أبيه.
أخيراً، تشدد إيزوريه على أن الرسالة التي يجدر بالأبوين إيصالها إلى الابن هي كالآتي: «كُن أنت نفسك، على طبيعتك دائماً...».