إمانويل درمان وبول ويلموت *

لهذه الغاية، اجتمعنا في مدينة نيويورك وكتبنا المانيفستو الآتي:
في العلوم الماليّة، ندرس كيف تُدار الموارد المالية ـــــ من الأوراق المالية البسيطة، مثل الدولار والينّ والأسهم والسندات، إلى المعقّدة منها مثل العقود المستقبلية، وعقود الخيارات، والتزامات الدّين المغطاة بأصول متدنّية الجودة، ومقايضات التخلّف الائتماني. ونحن نبني النماذج المالية لكي نقيّم القيمة العادلة للأوراق المالية، ولكي نقدّر مخاطرها ونظهر كيف يمكن ضبط هذه المخاطر. فكيف يمكن للنموذج أن يعلمك بقيمة ورقة مالية؟ وكيف فشلت هذه النماذج إلى هذه الدرجة في حالة سوق التزامات الدّين المغطاة بأصول متدنّية الجودة؟
لقد شكّل علم الفيزياء مصدر الوحي في وضع معظم النماذج المالية بسبب نجاحه المذهل في التنبّؤ بالسلوك المستقبلي للأمور المادية انطلاقاً من وضعها الحالي. فالفيزيائيون يدرسون العالم عبر إعادة التجارب ذاتها مراراً وتكراراً من أجل اكتشاف القوى وقوانينها الرياضية شبه السحرية. فغاليليو ألقى عدة كرات من البرج المائل، وقامت فرق عملاقة في جنيف بمصادمة بروتونات بعضها ببعض مراراً. وإذا تم افتراض قانون وناقضت تنبّؤاته التجارب، يعود إلى اللوح الذي انطلق منه. إنّ هذا المنهج يعمل بفعالية، فقوانين الفيزياء الذرية دقيقة إلى درجة تفوق عشرة كسور عشرية.
غير أن الأمور تختلف بالنسبة إلى العلوم المالية والاقتصادية، إذ إنها تتعلق بالعالم الذهني للقيمة النقدية. وقد حاولت النظرية المالية جاهدة أن تحاكي أسلوب علم الفيزياء وأناقته من أجل اكتشاف قوانينها الخاصة. لكن الأسواق مصنوعة من البشر الذين يتأثرون بالأحداث، وبمشاعرهم السريعة الزوال حيال الأحداث وبتوقعاتهم لمشاعر الآخرين. في الحقيقة، لا قوانين أساسية في العلوم المالية. وإذا وُجدت، ينعدم سبيل إجراء اختبارات متكررة من أجل التثبّت منها.
يصعب عليك أن تجد أمثلة عن عملية وضع النماذج، المرتبكة الأناقة، أفضل من تلك المتعلقة بنماذج التزامات الدين المغطاة بأصول. فالأبحاث حول هذه الالتزامات تطبّق نظرية الاحتمالات المجردة على الحركة المشتركة لآلاف الرهونات العقارية. ويمكن للعلاقات بين هذا العدد الكبير من الرهونات العقارية أن تكون معقّدة للغاية. ولكن واضعي النماذج، بعد أن يبنوا نظريتهم الخيالية، يحتاجون إلى جعلها قابلة للاستخدام؛ فيلجأون إلى إخفاء كل الديناميكيات المجهولة تحت بساط النموذج؛ ومع تجاهل التفاصيل، لا يبقى إلا رقم واحد يُسمّى معامل الارتباط المتعلق بالتخلّف عن الدفع، من السموّ إلى السخافة الأنيقة: فكل ما هو غير مؤكد يُختزل بمتغيرة واحدة، وهي تنتج قيمة التزامات الدين المغطاة بأصول عندما يُدخلها متداول في السوق إلى النموذج. هذا الاعتماد المفرط على الاحتمالات والإحصاءات يشكّل محدودية كبيرة، فالإحصاءات هي وصف سطحي، تماماً على عكس عاملَي السبب والنتيجة الأكثر عمقاً في الفيزياء، ولا يمكنها بسهولة أن تلتقط ديناميكيات التخلّف المعقدة.
النماذج هي، في الجوهر، أدوات للتفكير التقريبي، دورها أن تحوّل حدسك حيال المستقبل إلى ثمن لورقة مالية اليوم. ومن الأسهل التفكير بشكل حدسي في أسعار المساكن مستقبلياً، وفي معدلات التقصير ومعامل الارتباط المتعلقة بالتخلّف من التفكير في أسعار التزامات الدين المغطاة بأصول. فنماذج التزامات الدين المغطاة بأصول تحوّل تخمينك لأسعار المساكن المستقبلية، ومعدلات التخلّف المرتبطة بالرهونات العقارية ومعامل الارتباط المتعلقة بالتخلّف، الذي أُفرط في تبسيطه، إلى مخرج النموذج : السعر الجاري لالتزامات الدين المغطاة بأصول.
لقد علّمتنا خبرتنا في الميدان المالي أن نكون متواضعين جداً في تطبيق الرياضيات على الأسواق، وأن نلتزم أقصى درجات الحذر من النظريات الطموحة التي تحاول، في النهاية، أن ترسم قالباً للسلوك البشري. نحن نحب البساطة، ولكننا نحب أن نتذكر أيضاً أن نماذجنا هي البسيطة وليس العالم.
لسوء الحظ، لم يتعلّم أساتذة العلوم المالية هذه العِبر. فما عليك إلا إلقاء نظرة خاطفة على الكتب المتعلقة بالشؤون المالية في كليات إدارة الأعمال لكي تكتشف ركائز من المسلّمات الرياضية تدعم مجموعة من الأفكار النظرية والمأخوذات والنتائج. من له أن يظن أن ذاك الكتاب يتعامل أساساً مع بشر ومال؟ يجب أن يكون واضحاً لكل صاحب منطق أن كل مسلّمة مالية خاطئة، وأن العلوم المالية لا يمكنها يوماً أن تكون إقليدس. فكما كتب أرسطو، المساعي المختلفة تتطلب درجات دقة مختلفة. ليست العلوم المالية من العلوم الطبيعية، وعلّتها غير المرئية هي حبّها السرّي القاتم للأناقة الرياضية والدقة المفرطة.
نحتاج إلى النماذج والرياضيات ـــــ فلا يمكنك التفكير في العلوم المالية والاقتصادية من دونهما ـــــ لكن يجب على المرء ألّا ينسى أبداً أن النماذج ليست العالم. فكلما صنعنا نموذجاً من أمر يتعلق بالكائنات البشرية، حاولنا أن نقحم قدم بنت الخالة البشعة في حذاء سندريلا الزجاجي الجميل. إنه لا يلائمها من دون اقتطاع بعض الأجزاء الأساسية، وباقتطاع الأجزاء طلباً للجمال والدقّة، تخفي النماذج حتماً المخاطر الحقيقية بدل أن تعرضها. السؤال الأهم بالنسبة إلى أيّ نموذج مالي هو إلى أيّ مدى يُرجَّح أن يكون خاطئاً، وكم هو مفيد على الرغم مما يفترضه. فيجب أن تبدأ مع النماذج ثم تكسوها بالمنطق والخبرة.
يُخيَّل للعديد من الأكاديميين أننا سنجد النموذج «الصحيح» ذات يوم، ولكن ما من نموذج «صحيح»، لأن العالم يتغيّر كردّ فعل على النماذج التي نستخدمها. والتقدم في وضع النماذج المالية سريع الزوال ومؤقت، فالأسواق تتغيّر، ويصبح من الضروري وضع نماذج أحدث. وبالتالي، فإن النماذج البسيطة الواضحة، التي تقدم افتراضات محددة حول أعداد صغيرة من المتغيرات، هي الطريقة الفضلى لتعزيز حدسك من دون أن تخدع نفسك.
كل النماذج تخفي القذارة تحت البساط، والنموذج الجيد يجعل غياب القذارة مرئياً. ومن هذه الناحية، نعتقد أن نموذج بلاك شولز المتعلق بمعادلة تسعير عقود الخيارات، وقد لُعن ظلماً أحياناً كثيرة، هو نموذج للنماذج؛ إنه واضح وصلب. واضح، لأنه يرتكز على هندسة صحيحة؛ يعلمك كيف تصنع عقد خيار من الأسهم والسندات وما سيكلفك ذلك في ظل ظروف مثالية خالية من القذارة يحدّدها. تشبه طريقته في معادلة التسعير عملية احتساب ثمن علبة سلطة فاكهة انطلاقاً من ثمن الفاكهة والسكر والعمل والنقل. إن عالم الأسواق لا يلائم تماماً الظروف المثالية التي يتطلبها نموذج بلاك ـــــ شولز، ولكن النموذج صلب لأنه يمكّن المداول الذكي من التكيّف نوعياً مع الارتباطات غير الملائمة. تعرف ماذا تفترض عندما تستخدم النموذج، وتعرف تماماً ما الذي حُجب عن النظر.
بناء النماذج المالية أمر يشكّل تحدياً وهو جدير بالاهتمام: فأنت تحتاج إلى الجمع بين العددي والنوعي، بين المخيلة والمراقبة، بين الفن والعلم، وكل ذلك من أجل إيجاد نماذج تقريبية لتحركات الأسواق والأوراق المالية. ويكمن الخطر الأعظم في عبادة الأصنام، وهي خطيئة عمرها من عمر الدهر. إن الأسواق المالية حية، ولكن النموذج، مهما بلغ جماله، يبقى صنماً. ومهما حاولت جاهداً فلن تستطيع بث الحياة فيه. والخلط بين النموذج والعالم يعني تقبّل كارثة مستقبلية يؤدي إليها الاعتقاد القائل بأن البشر يخضعون لقواعد رياضية.
يا واضعي نماذج الأسواق اتّحدوا! فليس لديكم ما تخسرونه إلا أوهامكم.
يُرجى إرسال هذا البيان الرسمي إلى الزملاء والأصدقاء المعنيين.
* إيمانويل ديرمان (Emanuel Derman):
يُعدّ من أبرز واضعي النماذج المالية، حائز الدكتوراه في الفيزياء من جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة. انتقل إلى العمل في مختبرات شركة «بل»، ثم عمل في شركة «غولدمان ساكس» على ابتداع نماذج لتسعير المشتقات المالية مع فيشر بلاك (الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد)، يشغل حالياً منصب أستاذ في جامعة كولومبيا ومدير برنامجها للهندسة المالية.
* بول ويلموت (Paul Wilmott): أستاذ في الهندسة الميكانيكية، انتقل إلى مجال البحث والكتابة في مجالات الرياضيات المالية، ودرّس في جامعات أوكسفورد والكلّية الإمبراطورية في إنكلترا. يعمل حالياً مستشاراً ماليّاً وصاحب مؤسسة للتدريب والاستشارات المالية، وله مؤلّفات عدّة في الرياضيات المالية.
(ترجمة جورجيت فرشخ فرنجية)



يمين أبقراط لواضعي النماذج

ـــــ سأذكر أنني لم أصنع العالم، وأنه لا يفي بشروط معادلاتي.
ــ على الرغم من أنني سأستخدم النماذج بشجاعة لتقدير القيمة، فلن أتأثّر تأثّراً مفرطاً بالرياضيات.
ـــــ لن أضحّي أبداً بالحقيقة من أجل الأناقة من دون أن أشرح لماذا فعلت ذلك.
ــ لن أعطي الأشخاص الذين يستخدمون نموذجي تطمينات مريحة عن دقّته. بدلاً من ذلك، سوف أوضح ما يفترضه وما سها عنه.
ـــــــ أدرك أن عملي قد يحدث آثاراً هائلة على المجتمع والاقتصاد، يتخطى العديد منها قدرتي على فهمها.
نيويورك 7/1/2009
يُرجى إرسال هذا البيان الرسمي إلى الزملاء والأصدقاء المعنيين.