عبد الأمير الركابي *

من بين المواضع العربية القديمة، يختص العراق بموقع جيوبوليتكي بمنتهى الحساسية؛ فليس هناك موضع يشبهه، من حيث ما يثيره ككيان، من رغبة في عدم رؤيته حاضراً. إيران، التي هي موضع من خارج العالم العربي، والأكثر قرباً من حدوده وصلة به تاريخياً وثقافياً، تفضل ألا يكون جارها العراقي موجوداً. هذه الرغبة مفهومة، وقد سبق أن تحققت لإيران على مرّ قرون من التاريخ، وساهمت في خلق منظور «وطني» إيراني مستبطن عن العراق وحقيقته، وهي تتكرر الآن في العصر الحديث.
أثار حضور العراق عدم ارتياح في المملكة العربية السعودية الحالية. والكويت لا تريد العراق قوياً وموحداً من جديد. وحتى سوريا تدرك أن موقعها يتأثر كثيراً عند اكتمال شخصية العراق وتبلور كيانه الصاعد. ولديها في هذا الصدد أمثلة قوية من التاريخ الإسلامي، ومن تبادل المواقع القيادية الإمبراطورية بين دمشق وعاصمة الرشيد، أعلى ذرى نهضة العرب بعد الثورة الإسلامية.
حتى مصر لديها ما تقوله بشأن وجود العراق أو عدم وجوده. فالكيان المصري يفقد بصعود العراق امتداده ومداه الإمبراطوري التقليدي الطبيعي نحو الشام، وهو ما كان يحدث إبان الحضارات القديمة والعصر الحديث. والعلاقة في الطور الحضاري الثاني (الإسلامي) تضع مصر في موقع أدنى وتابع لفترات مديدة. والعراق موضع دينامية حضارية إمبراطورية أوسع، من شأنه أن يعيد ترتيب خارطة الحضور العربي، بمدها من المنطقة العربية إلى الشرق البعيد.
تركيا الحالية، ليس مما يفرحها أن ترى العراق قوياً، وهي تفكر بتبادل الماء بالنفط، وتريد وضع توازنات تؤمن لها حضوراً قديماً، لم يكن متحققاً إلا بفعل اختلالات استراتيجية طرأت على المنطقة العربية وكياناتها، وأولها العراق.
ثمة إجماع على تدارك احتمال وجود العراق ناهضاً ومكتملاً، كأنه قضية الجميع، وهمهم وشاغلهم الحاضر في أصل كياناتهم ومواقعها. ليست هذه حال أي من مواضع المنطقة الأخرى، الجزيرة العربية لا تثير انشغالات كبرى لدى جيرانها، تبدو ذات مكانة خاصة بفعل ماضيها. إلا أن قضية الانزياحات السكانية لم تعد اليوم ممكنة. ومنذ تجذر الإسلام خارجها، لم يعد الفيض العقائدي حكراً عليها.
سوريا ليست مصدر إقلاق لأحد، سوى للبنان، وتلك قضية جديدة وطارئة. تركيا نفسها غير مستقرة، ووضعها الجيوبوليتكي قلق، ارتبط لعقود بموقعها القريب من الاتحاد السوفياتي، وبحاجة الغرب لها كمحطة تجسّس حدودية على القطب الاشتراكي. وهي الآن تتنقل بين خيارات لا ركائز قوية لها، يلاحقها المحللون معولين على ماضيها الإمبراطوري (غير التركي الأصول والتشكل)، الذي يمنعهم غالباً من أن يصدقوا بؤسها الاستراتيجي، ولا استقرارها، وتمزقها بين خيارات عدة متناقضة، غير محسومة.
لمصر طبعاً أن تكون مصدر قلق عند محطات متباعدة، سواء للغرب أو للإمبراطوريات الشرقية المهيمنة على المنطقة. لكن شرط ذلك مرهون بتمددها صوب بعدها الشامي، الذي تأتي إليه مرحّباً بها (في الماضي طبعاً). لكن مصر، ما إن تتمدد إلى الخارج، حتى تنهزم في الداخل وتتقوقع. دول الخليج لها مشكلات متفاوتة الدرجات مع إيران، وبين بعضها مشكلات حدود تقليدية وعادية. لن نتحدث عن المغرب العربي، فالإيقاع هناك مختلف.
ليست المحركات التي تقف وراء هذه المسألة عادية، ولا عارضة. إنها تتعلق بالخاصيات الحضارية الكبرى للمنطقة، وتنتهي الآن إلى ما يشبه التفاعلية المتبادلة لبؤرة تغيير إيجابي لا يخلو من بعد تاريخي، فليس ما نشهده الآن من تفاعلية على هذا الصعيد متجهة إلى التوقف، لا بل هي في تصاعد وزيادة في التعقيد منذ أربعة عقود. ومقومات «النظام العربي» وطابع الكيانات والدول القائمة في المنطقة المعنية، تشرف على الاهتزاز، بناءً على مآلات تلك التفاعلية ونتائجها.
هناك حدث استثنائي رأيناه يتخلق أمام أعيننا في السياق (انهيار دولة حديثة عمرها 82)، قبل تحوّل العراق إلى مرجل اصطراع مجتمع تحت الاحتلال، وجد نفسه فجأة أمام شروط ما بعد الدولة الحديثة، الأمر الذي لم يلتفت إليه أحد ولا بحث في دلالاته. فقد رأى المحيط في ما يجري هناك، رؤى وأحكاماً هي تعبير عن لغة كل موضع من مواضع المحيط، بحسب تكوينه هو، ومسارات تشكله، وتوازناته الطائفية أو المذهبية هو. والخارج غذّى في العراق، وألهب إلى حدّ ما، أسباب الاحتراب في الداخل.
كان العراق يقاوم بالسلاح أعتى الإمبراطوريات حتى آلمها، وألحق بها هزيمة منكرة، حجّمت تماماً اندفاعها ومشروعها للمنطقة والعالم. بينما هو يصطرع مع ذاته بجنون، قبل أن ينقلب فجأة بين ليلة وضحاها كما يقولون، من حمل السلاح إلى صناديق الاقتراع. وبينما كان الخارج والمحيط يتسلى بالتفسيرات، التي هي من صنع حالته (مجموع حالاته)، فقد عجز كلياً عن أن يفسر، كما هي حاله الآن، كيف يتمكن مجتمع من دون دولة، من التصرف على هذا النحو الحيوي. يعرف الأولويات، فيقاتل الاحتلال أولاً، وينتهي من ثقل مشكلات الدولة الأحادية المنهارة وبقاياها، ليصبح فجأة بريئاً من الاحتراب الأهلي، وضده، ويتحول إلى قوة تُثيب وتعاقب عبر الأصوات في الصناديق. أين ولّت الطائفية، وهل هي موجودة فعلاً، إذا كان المجتمع يزيح من يدّعون تمثيلها ويرميهم لمصلحة عراقوية لاطائفية، تنحو إلى نبذ المحاصصة، وتريد إعادة النظر بالدستور الاحتلالي، وتنكر دعاوى الفدراليات، وبعد 20 ألف عمل انتحاري وتفجيري عشوائي، تجرى انتخابات من دون أي حادث أمني يُذكر.
ترى متى، وبعد تراكم أية مظاهر، أو معطيات، يتنبه علم الاجتماع إلى قوة ظاهرة حية ويتعلم قراءتها؟ ها نحن نشهد قوة حضور مجتمع من دون دولة، يحقق إرادته. يسير تباعاً، بدينامية خارقة من الدكتاتورية والاحتلال ومشاريعه «الديموقراطية» المفروضة، متجاوزاً مقارعة، لا بل إلحاق هزيمة بالاحتلال عسكرياً، إلى قبر مقترحاته التقسيمية سياسياً. وما حدث قبل أيام، هو الانتصار المكمل الثاني ما بعد العسكري، للديموقراطية العراقية، ولكمال مشروع استعادة الحرية والسيادة.
ثمة وراء هذا الشوط أجزاء أهم، من سلسلة أشواط فريدة أخرى، معها يتوقع للنقاش أن ينفتح على المتغير الكبير. فإلى أين يسير العراق من هنا وصاعداً؟ علينا أن نتابع خيارات شعب يصنع تحت أنظارنا صيغ حياته وخياراته بذاته. هذا مظهر يستحق أن يراقب بانتباه، باعتباره حقيقة غير مسبوقة، ولا وجود لمماثلات لها في المنطقة. لسنا أمام انقلاب، والعالم العربي تصاغ فيه الخيارات، أو ترسم منذ قرون من الأعلى. في العراق الحالي نشهد بوضوح حالة تحقق إرادة شعبية حرة ومطلقة، بمواجهة انعكاسات الخارج وحضور المحتل، وأمراض الداخل. ألا يفترض بحالة كهذه أن تتمخض عن جديد؟ يوم يحدث ويصل العراقيون، كما هو متوقع، إلى خط الثورة الكبرى، ستتردد الأصداء، لأن العالم العربي لم يعرف عنه، وعن بنيته الفكرية، خاصية الاستباق. والمكررات والثوابت أقوى هنا بما لا يقاس حتى من الوقائع الحية. في الماضي، بعد ثورة الجزيرة الكبرى وظهور الإسلام والفتح، حوّل العراق التمدد العربي الإسلامي (الفتح) إلى امتداد نموذج سلطة إمبراطورية كبرى، كانت بغداد هي الوحيدة المؤهلة لأن تجسدها واقعاً، وهي التي تمثل كل أسس المنظور الحضاري العربي الإسلامي المعروف. اليوم يعد العراق بابتداع نموذج من الدولة لن تكون أقل من ثورة، ليس من المستبعد أن تهزّ المحيط وتبرّر خوفه (خوف نظمه وبقايا فواته) من صعود العراق. فهنا تكمن دائماً بؤرة تغيير وانقلاب تاريخي، ليست عراقية فحسب، وليس من طبيعتها أن تكون. سبق لشبح صدام أن أوحى خلال عقدين بملمح فج من ملامح تجسيدها الحتمي، وهزم. لكن حضور العراق وسيرورته كبؤرة ومحرك لم يتوقفا. لقد انتقل هذا الموضع بعيداً، وهو ينتقل نحو تجسدات أخرى تضرب في أعماق الحقيقة الحضارية الكبرى لهذا الجزء من العالم.
* كاتب عراقي