يشطبون أنفسهم بلا رحمة، فلا يخشون الدماء التي تسيل ببطء. يستنجدون بهذا العمل احتجاجاً أو تهديداً، ولا يشعر معظمهم بالوجع غالباً، إذ يتعاطى معظمهم أقراص الهلوسة، التي تعدم الألم


أحمد محسن
يقف حسين حاني الظهر، داخل أحد محال الانترنت في الضاحية الجنوبية. يرتدي قبعة صوفية، وتنسل جروح قديمة نحو أصابعه. بيد أن الجروح ملتئمة؛ فلا تنساب الدماء منها. يحرّك يديه ببطء، لأنه تناول للتو إحدى الحبوب المسكّنة. «هل هذا ما تريد؟» يشير بإصبعه الأوسط الى تلك الجروح ساخراً. يرفض الحديث عن الموضوع في البداية: «إنه ليس أمراً هاماً»، يقول بغصة خفيفة. يغمض عينيه الزائغتين، وبعد مفاوضات غير عسيرة، يشترط علينا أن نشتري له علبة سجائر كي يتحدث. أخبرنا حسين كيف أدمن ساعديه بشفرات الحلاقة، والملاقط التي تستخدم لنقل الفحم.
والإدمان هنا، ليس فعلاً روتينياً، بل يخضع لمزاجيته. «كنت أسمع عن الذين يشطّبون أنفسهم وأخاف منهم» يعترف. لم يطل به الأمر حتى أصبح أحدهم. لا يعرف حسين ما الذي يعنيه أن يكون المرء مازوشياً، يهوى تعذيب نفسه، لكنه يفهم شيئاً واحداً عندما يشّطب نفسه: «كأني أريد أن أقول لهم ابتعدوا عني يا اخوات الشر...» يرفع صوته هنا ويضحك.
«ما رح تحس بشي اذا كنت محبحب»، يتابع شرحه، (ومحبحب تعني تناول المزيد من أقراص الهلوسة والأعصاب). يؤكد نظريته، فيروي كيف أنه ذات مرة أثناء عراك حاد، شطّب يديه أمام الناس في أحد شوارع برج البراجنة فتركوه. يعتقد أنهم خافوا منه، خافوا أن يفعل بهم ما فعل بيديه. «مررت بجانب الجحيم يا صاحبي» يقول باستياء واضح، ويشعل سيجارة. يشتم إحدى الشخصيات السياسية البارزة، ويعترف: «هل تظنني سعيداً بما أفعله؟»، اعتاد تشطيب نفسه كلما شعر بخطر حوله. يعتقد أن لا أحد قادر على أن يصحح الكمية الكبيرة من الأخطاء التي ارتكبها. «سأموت هكذا بهدوء» يضحك يائساًً، ويمازحنا بالقول: «أوعا تنسى الحبة».
عمر (28 عاماً) جرّب تشطيب نفسه بالشفرة منذ أول مرة. كان ذلك في عين المرّيسة. يصف الحادثة بالعرضية بدايةً، ولا يدري كيف امتلك الشجاعة حينها. «هددتهم بقتل نفسي»، يرفع يده الى عنقه، ويضعها على شكل سكين. لماذا فعل ذلك؟ «كانوا 5 أشخاص بينما كنت وحيداً» يقول محتداً.
يروي الحادثة: خلع سترته، تراجع خطوة الى قرب إحدى الأشجار واتكأ عليها. «لم أكن واعياً لما أفعل» يتابع. شهر شفرة ومزق خاصرته. ظهر الدم.. ورويداً رويداً.. اتسع الجرح. صرخ عمر بقوة، وأدار ظهره ممسكاً ثيابه. مشى نحو الدرج المؤدي الى البحر. شعر بالألم الحقيقي هناك، أي الألم غير العضوي. يقول إنه تألم لأن لم يطلب أحد الإسعاف، اكتفوا بمشاهدته «كأنهم في سيرك وكأنه قرد».
جاءت دورية من الشرطة واقتادته الى مخفر حبيش؛ وبعد حبيش أخذوه الى المستشفى. ومنذ ذلك الحين «صار الأمر عادياً لفترة». «لكني تغّيرت»، يردف مطمئناً. يبتسم ويحك ذقنه بأظافر طويلة ويد ناعمة، لا توحي أبداً بأن صاحبها مزّق خاصرته يوماً وقد «وضّب» الزمن جراحه.
الموقوفون أيضاً يستنجدون بدمائهم أحياناً للاحتجاج على حالٍ ما، لا يرونه مناسباً. في حادثة واضحة من هذا النوع، فاجأ الموقوف ع. ج. أفراد الدورية التي تنقله، بتمكّنه من فك الأصفاد من يديه. لم يحاول الهرب. هدّدهم بذبح نفسه بشفرة كانت بحوزته، إذا لم يُنقل إلى سجن آخر. راح يشطب جسده بلا رحمة، ثم نقل إلى المستشفى لاحقاً. في مكان آخر، لا تختلف فيه عناصر الصورة، فكّ الموقوف س. أ. المصباح الكهربائي في النظارة، وانتزع منه قطعة بلاستيكية ثم بدأ بتشطيب نفسه، فنقله الحراس إلى مستشفى هو الآخر. هذه المرة كان الموقوف داخل نظارة إحدى المفارز القضائية. أحياناً تفوق الأمور الوصف، فأثناء قيام درّاجين من مفرزة سير بيروت الأولى، بقمع بعض مخالفات الدراجات النارية في منطقة الحمرا، أوقفوا دراجة مخالفة يقودها ع. غ. (20 عاماً) برفقته شخص آخر، فشهر الشخصان المذكوران سكّينين حادّين، وعمدا إلى تشطيب نفسيهما. فرّ أحدهما فيما أوقف الآخر. وفي الحديث عن الموقوفين، لا بد من الإشارة الى الموقوفين الدائمين: السجناء. وكانت «الأخبار» قد نبّهت سابقاً الى معاناة هؤلاء، لأن السجناء لا يملكون أقلاماً، كتبوا مطالبهم بدمائهم على الجدران في إحدى المرات. يوقعون التباساً في الصورة: يؤذون أنفسهم وحسب. أحد السجناء ابتلع شفرة حلاقة ذات مرة، ولم يستمع أحد الى مطالبه. ماذا كان عليه أن يبتلع حتى يعطوه بطّانية؟
والبطانية أو المواد العينية الأخرى، ليست سوى القليل مما يحتاج إليه هؤلاء، اذ أكدت اختصاصية علم النفس فاطمة هاشم، أنهم يحتاجون الى علاج نفسي جدي. ولفتت هاشم إلى أن هذه الأفعال تصنّف في خانة «العدوانية المرتدة على الذات».
وأشارت الاختصاصية الى أن علم النفس يؤمن يوجود حد معيّن من العدوانية داخل كل إنسان، لكن هذا المخزون يرتفع حين يحس الانسان بأنه في حال الخطر، ويحاول الدفاع عن نفسه.
ووضعت هاشم عمليات تشطيب النفس (في الحالات التي تناولها النص) في هذا الإطار، إذ إن مرتكبيها لا يملكون أياً من وسائل الهجوم الأخرى، فليجأون الى مثل هذه الحالات المرضية للفت النظر أو إلقاء المسؤولية عن النفس.
كذلك نبهت هاشم إلى أن تشطيب النفس بالآلات الحادة قد يؤدّي الى انتحار القائم بهذا العمل في وقت لاحق: يجب معالجة هؤلاء الأشخاص في أسرع وقت، شدّدت اختصاصية علم النفس.



يخلقون أدواتهم

أجمع معظم الأشخاص الذين يمارسون هذا الفعل (الذين يشطبون نفسهم ممن التقتهم «الأخبار») على أن الشفرة أو السكين هي أبرز الوسائل التي تُستخدم للتشطيب. وأضاف بعضهم أدوات أخرى كملقط الفحم والمفاتيح العادية، فيما يخترع السجناء أدوات خاصة: «مخارز» و«قطّاعات» يصنعونها بأيديهم العارية. ينتزعون أثاث السجن وكل ما تطاله أيديهم، كالأحزمة الجلدية وعلب السردين. في إحدى المرات، انتزعوا بلاط البورسلين لهذه الغاية.