امتلأت مقابر الفلسطينيين في شاتيلا حتى آخر شبرٍ فيها. لن يعود بعد الآن بإمكان تلك المدافن أن تستقبل أيّ وافد جديد. اليوم، لا يجد فلسطينيو المخيم مكاناً ليدفنوا فيه سوى «أرصفة الطرقات»، بالمعنى الحرفي للكلمة


قاسم س. قاسم
عندما يموت أحد الفلسطينيين، تقع مصيبة إضافية: فإلى الحزن على الفقيد، هناك مصيبة التفتيش عن قطعة أرض لدفنه في مثواه الأخير. فبعدما امتلأت جبّانة المخيم، لا بل إن بعض مدافنه أصبحت بـ«طوابق عدة»، وكذلك جبانة مستديرة شاتيلا، أصبح خبر أي وفاة جديدة يتطلب اجتماعاً عاجلاً للإجابة عن سؤال: ولكن، أين ندفنه؟ قد يقول قائل: لمَ لا يدفنون موتاهم في أي جبانة إسلامية؟ فيأتيه الجواب: من أين نأتي بالمال؟ فكما يعلم من مرّ بهذه المحنة، إن شراء أي مدفن خارج المخيم، يكلف بين 1500 دولار أميركي وألفين.
هكذا، بعدما أغلقت جبّانة المخيم لامتلائها، واستحالة المسّ بجبانة مجزرة صبرا وشاتيلا التابعة أصلاً لبلدية الغبيري لرمزيتها، وبعد امتلاء جبانة الشهداء في مستديرة شاتيلا بالشهداء العسكريين قبل الاجتياح والمدنيين بعده، لم يعد لأبناء شاتيلا مكان يتسع لموتاهم، حتى بدفن الميت فوق قريب سبقه.
الدفن اليوم، لمن استطاع إليه سبيلا، يجري في محيط المخيم، وخصوصاً جبانة قصقص المواجهة لمستديرة شاتيلا. ففي عام 1982 وخلال الاجتياح وقبله دفن بعض الفلسطينيين هناك، وإن أراد أقارب هؤلاء أن يدفنوا فوقهم، فإن «العملية ستكلّف أهل الفقيد ما يقارب 1000 دولار» لمجرد السماح بفتح القبر وإنزال الميت الجديد فوقه، حسب المسؤول في اللجنة الشعبية في مخيم شاتيلا ـــ تحالف القوى سليمان عبد الهادي.
مع عودة الشهداء الفلسطينيين من الداخل خلال «عملية الرضوان»، برزت المشكلة بأعقد أشكالها: لم يكن في استطاعة جبانة الشهداء في شاتيلا استقبال أبنائها، وعددهم 13 شهيداً، فدفنوا في 9 قبور خارج أسوارها، على ...الرصيف المحاذي للجبانة! واليوم، يمكن المارة هناك، أن يروهم نائمين، على الرصيف (الصورة) في قبور يتقاسم بعضها شخصان استُشهدا في العملية ذاتها، ودفنا في القبر ذاته.
لكن الرصيف الذي يفصله سور عن داخل الجبانة، هو في الأساس جزء من المدفن «التابع لمنظمة التحرير، لكن الدولة صادرت قسماً منه عند بناء الأوتوستراد»، كما يقول أبو عماد، مسؤول في اللجنة الشعبية لمخيم شاتيلا ـــ منظمة التحرير. وما زالت اللجان الشعبية للمخيم تطالب بإقامة «سور لضمّ هذه الأرض إلى الجبانة لكنه كأي مشروع في الدولة يتأخر»، كما قال. ما لم يقله الرجل، هو أنه، حتى لو قبلت الدولة بضم قطعة أرض الرصيف إلى الجبانة، فإنه يتعذّر حالياً دفن أشخاص جدد هناك. فإلى ضيق المكان، هناك «مشاكل إدارية مع بلدية بيروت» رفض هشام الدبسي المسؤول الإعلامي في ممثلية دولة فلسطين، أن يشرحها لنا «لأنها عم تتحلحل».
عن طبيعة هذه المشاكل الإدارية، يقول مصدر في بلدية بيروت رفض الكشف عن اسمه: «لا مشاكل تذكر مع منظمة التحرير. والأرض التي دفن فيها الشهداء هي ملك لبلدية بيروت ونحن بصدد تصوينها بعد قرار أخذته البلدية منذ 3أشهر، لكننا لن نسمح باستعمالها لأنها مليانة خلقة». والبديل؟ يقول: «بإمكانهم أن يدفنوا في مقابر (جمعية) المقاصد حتى لو لم يكونوا يملكون المال، فالبلدية تدفع لها شهرياً من 10 ملايين ليرة لبنانية إلى 15 مليوناً بدل دفن عمن لا يملكون المال». وعن التكلفة المرتفعة في المدافن المحيطة بالمخيم، يقول «عندما افتتحت الجبانة الجديدة في الغبيري بيع 50 قبراً، لكن البلدية عادت ومنعتهم لأن أسعارهم مرتفعة. وجرى الاتفاق على إعادة الأموال لأصحابها». يضيف: «هذه ليست مشكلة الفلسطينيين وحدهم، بل إن أبناء بيروت أيضاً امتلأت مدافنهم. ونحن كبلدية بصدد البحث عن أرض في الضواحي لتحويلها جبانة».
وبما أن الموت لا يعرف الانتظار، فإن من يموت من الفلسطينيين اليوم «يجد نفسه مضطراً» إلى أن «يهاجر» إلى حيث يدبّر له أهله مدفناً، بعد دفع الثمن «خارج المخيم، أو في مخيمات أخرى كبرج البراجنة أو عين الحلوة» كما يقول سليمان عبدالهادي. أما الثمن فيتدبّره «أهل المخيم الذين يقومون بلميّة لمساعدته».
مع افتتاح دار الفتوى جبانة جديدة بالقرب من روضة الشهيدين في الغبيري، فرح الفلسطينيّون. فهم توقعوا أن «تتبرع دار الفتوى بجزء منها لنا» كما يقول مسؤول في اللجنة الشعبية في برج البراجنة أبو وليد العينين، «لكن ذلك لم يحدث. بل إن دار الفتوى تأخذ منا أموالاً طائلة من أجل الدفن» كما يؤكد. أما الحلول المقترحة، فيقول مسوؤل في الأونروا رفض الكشف عن اسمه في اتصال مع «الأخبار» إنه «ليس من صلاحيات الأونروا أن تشتري الأراضي. لكننا رفعنا إلى الممثلية طلباً للبحث عن أراض في أملاك منظمة التحرير للدفن فيها». وإذا جرى تأمين الأرض يقول «نحن مستعدّون للقيام بعملنا (في تجهيزها)». أما بالنسبة إلى ما قد تقوم به اللجنة الشعبية في شاتيلا، فيقول عبد الهادي «سنرفع مذكّرة إلى تحالف القوى ومنظمة التحرير لتأمين المال اللازم لشراء أراضي للدفن فيها». ويضيف «في شاتيلا لا مكان للدفن، أما في البرج فهناك 70 قبراً باقيا». بعدها؟ ماذا تفعل اللجنة الشعبية في مخيم برج البراجنة لاستباق الأزمة؟ يقول أبو العينين إنهم بصدد «البحث عن قطعة أرض وتأمين المال». بدورها، ممثلية دولة فلسطين هي الأخرى تبحث عن قطعة أرض من أجل تأمين المدافن في بيروت. وبالنسبة إلى مدافن مخيم عين الحلوة فهي «محلولة ما في مشكلة» كما يقول الدبسي.