يعاني بعض الأطفال مشكلة التبوّل اللاإرادي، وتتطور مشكلتهم عندما يقوم الأهل بمعاقبتهم أو تعنيفهم. قد يسخرون منهم أو يوجهون إليهم اللوم ويحملونهم مسؤولية هذه المشكلة. مع تكرار التبوّل، يتنبه البعض إلى إمكان وجود مشكلة فيزيولوجية يعانيها الطفل، لكنّ القليلين يدركون أن التبوّل اللاإرادي قد يكون وسيلة يعبّر من خلالها الولد عن مشاكل نفسية يعانيها، كالغَيرة أو الحاجة إلى جذب الانتباه

دعاء السبلاني
«لستُ طفلاً، لكنني أتبول في ثيابي. لا يمكنني الاستيقاظ في الليل للذهاب إلى الحمام، ولا أشعر بأنني أريد التبول» يقول رامي ح. (12 عاماً)، مفسراً، ويتابع: «أشعر بأنني أنا المقصود إذا ما سمعت أحداً يتكلم عن التبول، وأخجل من نفسي كثيراً». وتقول والدة رامي: «عرضته على طبيب، فتبين أنه يعاني نقصاً في الهورمون المضاد للتبول. ليس رامي وحده من يواجه صعوبات، أنا أيضاً أشعر بالمعاناة، فإيقاظه في الليل لإيصاله إلى المرحاض وتبديل ثيابه وهو نائم كلياً من دون أن يشعر بشيء أمر صعب للغاية».
الدكتور عصام قطيش، طبيب صحة عامة، يحلّل الأسباب الفيزيولوجية للتبوّل اللاإرادي، ويقول إنه «حالة مَرَضية إذا استمر بعد عمر السنتين، وتتعدد أسبابه الفيزيولوجية، وأهمها نقص الهورمون المضاد للتبول، وهو هورمون يعمل كمنبّه يوقظ الطفل عندما يريد التبول، إضافة إلى الالتهابات في المسالك البولية، وصغر حجم المثانة والخلل في تكوين بعض الأعضاء كالكلى أو المسالك البولية وعامل الوراثة الذي يؤدي دوراً سلبياً كالسكري». ويشير قطيش إلى أن الأطفال الذين يلعبون ويتحركون كثيراً قد يدخلون في نوم عميق، ما يسبّب التبول اللاإرادي.
أما عن العلاج، فيقول قطيش: «هناك عدة طرق، منها الدواء المضاد للالتهابات، الدواء الذي يقوّي الهورمون المضاد للتبول، لكن لا يُنصَح به ولا يُستخدَم كثيراً. كذلك تُجرى عملية تصحيح إذا كان هناك خلل في بعض الأعضاء».
إلى جانب العوامل الفيزيولوجية للتبوّل اللاإرادي عند الأطفال، هناك العوامل النفسية التي لا يمكن تجاهلها في العديد من الحالات.
«ميمي تضع الحفاض بينما أنا لا أضع شيئاً. أمي تضربني ولا تضربها. لا تذهب ميمي إلى الحضانة، أما أنا فيرسلونني كل يوم ولا يلعبون معي كما يفعلون مع ميمي، لأنهم يحبونها ويكرهونني» جمل ترددها تالة ش. (4 أعوام). أما والدتها فتقول:«تعلمت تالة استعمال المرحاض وحدها من دون مساعدتي في عمر السنة ونصف السنة تقريباً. لكن بدأت تتبول بثيابها من جديد في عمر 3 أعوام، لذلك كنت أضربها وأعاقبها أحياناً. وبعدما عرضتها على طبيب مختص أجرى لها بعض الفحوص، لم يتبيّن أي خلل فيزيولوجي. أختي لفتت انتباهي إلى أن الفتاة تعاني غَيرة من شقيقتها، ما يجعلها تعاني مشكلة التبوّل اللاإرادي».
الدكتورة ماجدة حاتم المتخصصة في العلاج النفسي تقول: «يمكن أن يكون التبول اللاإرادي أولياً (Primary)، أي عدم قدرة الطفل منذ ولادته وحتى سن متأخرة على ضبط عملية التبول، أو يكون ثانوياً (Secondary) فيعود الطفل إلى التبول بعد فترة على تحكمه بمثانته». أسباب التبول اللاإرادي النفسية كثيرة، تتحدث حاتم عن العلاقة التي تربط الأم والأب والولد وكيفية اهتمام الأهل بالطفل. وتتوقف عند المشاكل بين الأهل «مثلاً إذا حصل شجار بين الأب والأم ذات مرة أثناء توجه الطفل إلى الحمّام، يمتنع الطفل عن الدخول ليراقب ما يحدث. وهكذا يربط التبول بفعل شرطي، أي يربط الشجار بعدم دخوله إلى الحمّام، خوفاً من تكرار المشكلة». ويمثّل التفكك الأسري سبباً آخر للتبول اللاإرادي، ففي غياب أحد الأبوين «قد يكون التبوّل اللاإرادي إشارة يعبّر الطفل من خلالها إلى حاجته إلى من يهتم به من حيث النظافة أو الإرشاد. فإذا نجح الطفل في إحضار والدته الغائبة مثلاً من خلال التبول، يتكرر الأمر لاإرادياً». وتذكر حاتم أن استخدام العنف والقسوة في التعامل مع الطفل من أسباب التبول اللاإرادي.
هناك أيضاً غيرة الطفل من مولود جديد في البيت، وتشرح حاتم بقولها: «عندما يرى الطفل اهتمام والديه بالطفل الجديد، يلجأ إلى التبول لجذب نظرهما. كذلك فإن عدم تفهّم الأهل للطفل، وعدم السماح له بالتعبير عن اضطراب العلاقة بينه وبينهم يدفعان به إلى التبول للفت انتباههم». وقد يعاني الطفل المدلل هذه المشكلة حين يبدأ بالذهاب إلى المدرسة، فيتجه إلى التبول في المدرسة كي يُعاد إلى المنزل، فيصبح التبول، مع تكرار الأمر، مسألة لاإرادية.
تؤكد حاتم أنه «لا يستطيع الأهل وحدهم مساعدة الطفل على تخطي مشكلة التبول اللاإرادي، بل يجب استشارة طبيب نفسي يدرس حالته»، ومن وسائل العلاج التي تتحدث عنها حاتم اللجوء إلى إعداد جدول أسبوعي، فيرسم الطبيب شمساً وإشارة زائد (+) أي نقطة لمصلحته، للدلالة على الأيام التي تخطى فيها مشكلته، ويشير إلى الأيام الأخرى برسم غيمة ومطر وشارة ناقص (-)، ما يعني أنه خسر نقطة، وفي نهاية الأسبوع يحسب النقاط، فإذا كانت إشارة (+) هي الأكثر ينال مكافأة».



العلاقة بالأهل

خلال الحديث عن الأسباب النفسية للتبوّل اللاإرادي، يبرز السؤال عن سبب اختيار الطفل للتبول تعبيراً عن مشاكله النفسية. هنا تقول حاتم: «عموماً، كل طفل يعبر عن مشاكله النفسية بطريقة مختلفة عن الآخرين، وذلك حسب علاقته بأهله والحرية المعطاة له للتعبير، إضافةً إلى عمره. ولكن عندما يُمنع الطفل من التعبير عن طريق الكلام أو الصراخ أو أي شكل آخر يختار الصغير التبول. كذلك يصبح التبول فعلاً شرطياً مرتبطاً بحادثة ما، مثل شجار الأهل أو مشهد معين إذا ما تكررت هذه الحادثة، وأحياناً أخرى، يلجأ الطفل إلى وسيلة تعبير أخرى غير التبول مثل النوم وتغطية رأسه. يختار الطفل التبول لجذب انتباه أهله إلى أنه موجود».