محسن الأمين

في البداية، يتساءل بعضهم، كيف أكتب أني لست ديموقراطياً؟ ومَن منّا لا يريد الديموقراطية ولا يحلم بها، وهي ما يتوق إليه مجتمعنا؟ لكن الديموقراطية، في هذه الأيام، قد نالها من التشويه ومن تفريغ مضمونها الكثير الكثير، وخصوصاً من هذا الاجتماع السياسي، فأصبحت عباءة تخفي في داخلها أبشع المظالم وأقسى أنواع الاستبداد. لذلك كان لا بد من كشف خفايا هؤلاء «الديموقراطيين». باسمك، أيتها الديموقراطية، تُنحر الحريات، وتُخترع قوانين مفصّلة على القياس... باسمك، ننادي للسلطان بدوام ظله وعظيم مقامه. باسمك تقوم حروب الطوائف والمذاهب والأديان. باسمك تمتلئ بطون الفاسدين، وتُنهب بيوت الفقراء والمستضعفين.
باسمك يصبح المعارض متّهماً والمقاوم إرهابياً. على كرسيّك يبقى الحاكم وجماعته وقيادات الأحزاب ملتصقين إلى أبد الآبدين مسلمين ومسيحيين. باسمك أصبح الإيمان «موضة» دارجة، وأصبح بعض الساسة «حرباء» هذا العصر. باسمك نستثمر ونستورد، نخصخص أملاكنا المعروضة للبيع بالمزاد.
باسمك تداس القوانين، ومن أجلك نحارب الإرهابيين، ونحتل البلاد والعباد، وأصبح الإصلاح معلباً والفساد مزدهراً.
باسمك ندافع عن أسيادنا ونظرياتهم الشرق أوسطية، ونستجدي عطاءاتهم وبنوكهم الدولية، فهم «المن والسلوى»، بنارهم نحرق الأخضر واليابس لتصبح علب ليلهم نهارنا.
على محراب السلطة تصبح ديموقراطيتنا طوائفية ـــ توافقية، نحتكم من خلالها، ولا نتزحزح قيد أنملة، حرصاً على المصالح، وكي لا نأكل لحمنا، ثم يعترف بعضنا للآخر بأننا ديموقراطيون بنكهة لبنانية وطعم أجنبي.
باسمك أصبح الوطن أوطاناً، والدين أدياناً، والدولة سياجاً مباحاً، والشريعة لا سماء لها ولا أرض تحميها إلا من مجالسنا وسلطاتنا الآتية من عدالة صناديق الاقتراع، والمقوننة حكماً تبعاً لسياسة سلاطين المذاهب والطوائف وحماتها.
باسمك أصبحت الحرية سجناً نفتخر به، والاستقلال حلماً نستعين بالآخرين لتحقيقه، فأصبحنا مجموعة هويات، وبشراً لا مواطنين.
على محرابك أصبح «اليسار» حزباً ديموقراطياً، ولليمين ديموقراطية توافقية، وللظالم والقاتل والفساد عنواناً وقانوناً ديموقراطياً.
باسمك تُنتهك الأعراف وتخلع عباءة الأخلاق... كي ننسى، كي نصبح سلعة في سوق النخاسة.
يا آلهة الديموقراطية نناديك، نتوسل إليك، نصلّي لأجلك، أعطنا خبزنا كفاف يومنا، ولا تبخلي علينا بعباءة ولو قديمة، كي لا نصبح عراة مكشوفة عوراتنا...؟
نناديك أن تخلعي عباءتهم وتنفضي عنك وعنّا غبار دنسهم. كي نؤمن بك... بالقيم التي جسّدتها، وكي لا يصبح الجهر بك كفراً.
فكيف تكون سلطة الدولة ديموقراطية، وهي مكبلة بتوافق سلاطين الطوائف. وكيف تصبح الديموقراطية عيشاً مشتركاً، تضيع فيه هوية المواطن، ليصبح هذا العيش مفروضاً بالتوافق مع زعماء أوطان الطوائف وتصبح المواطنة ولاءات مزدوجة؟