مصطفى بسيوني
مكتب بسيط في مجمّع المصالح الحكومية في الجيزة، يُشبه كل مكاتب صغار الموظفين في مصر. في مأمورية الضرائب العقارية في المجمع، وتحديداً في صالة مزدحمة بالموظفين، لن تجد صاحب المكتب جالساً كالآخرين بل ستُستقبل بحفاوة لا تعرفها المصالح الحكومية بمجرد أن تعرّف عن نفسك بأنّك «ضيف» كمال أبو عيطة.
الحفاوة نفسها تجدها من كمال أبو عيطة نفسه عندما تقابله. أول ما يستوقفك هو أنّه كباقي زملائه في المجمع، لا يمكنك تمييزه عنهم: «لكي تكون قائداً لهم، عليك أولاً أن تكون واحداً منهم». هكذا يعبّر كمال أبو عيطة بنفسه عن طبيعة علاقته بحركة موظفي الضرائب العقارية. هو لا يرى نفسه زعيماً وقائداً لحركة الموظفين رغم أنّ هذا ما يراه زملاؤه في الحركة، لكنّه يعتبر بأنّ سر نجاح الحركة النقابيّة يكمن في تخلّيها عن المفاهيم البالية في الحياة السياسية المصرية، وبينها مفهوم الزعيم والقائد والأتباع. ويرى أنّ «العلاقات التي تحكم الحركات الاجتماعية تختلف عن تلك التي تحكم الحركات والقوى السياسية، وهو ما لا يستوعبه أغلب السياسيّين في مصر، ما خلق تلك المسافة الشاسعة بين القوى السياسيّة والنضال الاجتماعي».
بدأ كمال أبو عيطة ناصرياً منذ التحاقه بقسم الفلسفة في جامعة القاهرة عام 1972 ولم يتغيّر. ورغم قناعاته الراسخة، إلا أنّه حرص على استقلال حركة الموظفين عن أي تأثير حزبي أو مذهبي، معتبراً بأنّ عدم إخضاع نضال الموظفين للمصالح الحزبية هو الخدمة الأكبر التي يمكن أن تقدّم لنضالهم وللحياة السياسية في مصر على السواء.
انتماؤه للناصرية جعل مواقفه تجاه الصراع العربي الصهيوني حاسمةً، ما جعله على قوائم الملاحقة الأمنية. هكذا، سُجن للمرة الأولى في حزيران (يونيو) 1978 بسبب الاحتجاج على زيارة السادات لإسرائيل، وتوالت لاحقاً زياراته للسجون بسبب مناهضة التطبيع. لكنّ قضية الصراع العربي الصهيوني لم تكن مركز نضاله الوحيد. إذ برز في معارك الفلاحين ضد انتزاع الأراضي في التسعينيات، ثم كمناضل نقابي بين الموظفين لفترة طويلة قبل معركة موظفي الضرائب العقارية في نهاية 2008... معركة تشكّل مرحلة جديدة في نضال كمال أبو عيطة.
الاضراب والاعتصام اللذان نظّمهما كمال ورفاقه من الموظفين والنتائج التي تمخّضت عن نضالهم، غيّرت مفهوم الموظف المصري في المجتمع. إذ اقترنت عادةً كلمة الموظف بالصفات السلبيّة مثل «الموظف الغلبان» أو «الفاسد» أو «الكسول». بعد حركة موظفي الضرائب العقاريّة، أصبح هناك الموظف المناضل «فرص الفساد المتاحة لموظفي الضرائب العقارية تفوق مادياً ما حصل عليه الموظفون بنضالهم. لكن الذين اعتصموا، إنّما اختاروا اللقمة الشريفة. لذلك، كان إضراب الموظفين موقفاً ضد الفساد... كان نضالاً أخلاقياً». بهذه الكلمات، يعبّر أبو عيطة بفخر عن نضال الموظفين الذي يعتبره بدايةً لعهد جديد من النضال الاجتماعي، وخصوصاً عندما تحوّلوا من المطالب الاقتصادية المباشرة إلى بناء تنظيم نقابي مستقل عن التنظيم الموالي للدولة والذي وقف ضدهم أثناء نضالهم.
أسهمت ولادة كمال أبو عيطة ونشأته في حي بولاق الدكرور الشعبي في القاهرة في نمو حسّ شعبي مرهف لديه «وهو ما كان ظاهراً بقوة خلال اعتصام الموظفين طوال عشرة أيام أمام مبنى مجلس الوزراء في القاهرة هذا الشهر». إذ إنّ التجمع الذي ضمّ موظفين من كل محافظات مصر لا يعرف بعضهم بعضاً، يُظهر حجم الجهد المبذول لتوحيد هذا الجمع. عندها برزت قدرة كمال أبو عيطة على التفاهم مع الجميع واستيعابهم رغم التنوع، والتباين الشديد بين الموظفين.
ورغم أنه لم يكن واحداً من منظّري الحركة السياسية في مصر، إلا أنّ ممارسته ضمن حركة الموظفين حملت عمقاً لم يدركه العديد من المنظّرين. معه تحول التنظيم الديموقراطي داخل حركة الموظفين إلى مثال أعلى للديموقراطية. مثلاً، بعد مفاوضات مع وزير المال، عاد كمال يوماً إلى المعتصمين باقتراحات بدا أنّه موافقٌ عليها. إلا أنّ المعتصمين رفضوها بعد طرحها للتصويت، فما كان من أبو عيطة ولجنة التفاوض سوى الالتزام بقرار المعتصمين. كذلك لجنة الإضراب التي تشكّلت بالاختيار الحرّ من كل المحافظات لتمثّل الجميع في قيادة الحركة كانت نموذجاً للديموقراطية: «أدعو المتشدّقين بمقولات تمكين المرأة والمساواة والوحدة الوطنية للنظر إلى اعتصام موظفي الضرائب العقارية حيث كانت الموظفات يبتن أمام مجلس الوزراء ويشاركن في قيادة الاعتصام بمساواة تامة مع زملائهم الرجال من دون ضجيج. وفي هذا الاعتصام أيضاً، وقف المسلمون إلى جانب الأقباط». هكذا، يتباهى كمال بما وصل إليه نضال الموظّفين من رقيّ في الممارسة من دون الكثير من النظريّات والمقولات المستهلكة ومن خلال الممارسة المباشرة.
كمال الذي ناضل ضد التطبيع والتوريث والطوارئ، ولم يفته أي احتجاج سياسي من أجل الحريات والديموقراطية والقضايا الوطنية والقومية، يعتبر بأنّ نضاله كموظّف أعظم ما قام به على الإطلاق، لأنّه يحوّل الشعارات العامة إلى فعل مباشر، ويجعل الرجل العادي فاعلاً لا متلقّياً فقط، «وهذا هو الطريق الوحيد للتغيير». وهو يختلف عن أغلب الذين مارسوا العمل السياسي من مختلف الاتجاهات بأنّه ما زال تماماً كما كان في بداياته. ما زال موظفاً عادياً، لكنّه لم يرتقِ مثل أقرانه بسبب نضاله ومواقفه السياسية والاجتماعية. حتى طريقة ممارسته السياسة والنضال لم تختلف عن البدايات. إنّه أبعد ما يكون عن ذلك الزعيم الذي يلقّن الأصغر منه دروساً في العمل السياسي، تاركاً المهمات «الصغيرة» للصغار. كلما ازداد خبرة، ازداد إنصاتاً لمن حوله حتى من الأجيال التي تصغره بكثير، وحتى من الاتجاهات التي يختلف معها. وعلى رغم كونه ناصرياً متشدداً، إلا أنّه تميّز دائماً بانفتاحه على مختلف القوى السياسية المعارضة. وإذا كان أكثر ما يعاني منه الواقع السياسي المصري هو ذلك الانفصال الدائم بين الحركة السياسية بقضاياها العامة مثل الحرية، وتداول السلطة، والحركة الاجتماعية الشعبية التي تحرّكها المطالب اليومية المباشرة، فإنّ قلة هم من يَجمعون بين الحركتين وبينهم كمال أبو عيطة: هو الناصري العتيد بين السياسيين، والموظف الثائر بين الموظفين، والمناضل النقابي الذي يؤسّس أوّل نقابة مستقلة في مصر منذ نصف قرن.
في ظل تعقيدات الحياة السياسية في مصر، يندر أن يقوم الشخص نفسه بدور القائد السياسي والزعيم الاجتماعي والمناضل النقابي. ويستحيل أن يقوم إنسان واحد بكل هذه الأدوار، وبكفاءة غير عادية... وأكثر من ذلك، بطيبة وبساطة كمال أبو عيطة الذي يبدو، في كل ذلك، كما لو أنّه يفعل أشياء عادية في حياته اليومية.



5 تواريخ

1953
الولادة في حيّ بولاق الدكرور في القاهرة

1976
تخرّج من كلية الآداب ــ قسم الفلسفة

حزيران (يونيو) 1978
اعتقل للمرة الأولى لاحتجاجه على زيارة السادات إلى إسرئيل، وتوالت الاعتقالات بعدها

2005
نال إجازة في الحقوق

2008
أسّس مع زملائه في مأمورية الضرائب العقارية نقابةً مستقلةً عن التنظيم الرسمي. وكان في العام الأسبق قد قاد اعتصام موظفي الضرائب العقارية (55 ألف موظف) أمام مجلس الوزراء بعد سلسلة من الاحتجاجات للمطالبة بالمساواة مع نظرائه من الموظفين