روني عبد النور

تكنولوجيا النانو، التي أطلق الفيزيائي الأميركي ريتشارد فاينمان مفهومها النظري سنة 1959، هي أحد فروع العلوم التطبيقية التي تتعامل مع المادة على المستوى الجزيئي والذرّة في أدنى مستوى ممكن من التصغير، أي بين 1 و 100 نانومتر (النانومتر هو واحد على مليون من الملّيمتر)، بغية تصنيع أدوات ذات أبعاد دقيقة جدّاً ضمن هذا المجال. حدّدت مبادرة النانوتكنولوجيا الوطنية الأميركية أجيال تطوّر النانوتكنولوجيا الأربعة كالآتي: أولاً، جيل بنية النانو الخاملة الذي بدأ مع انتهاء القرن المنصرم، ووُصف بجيل المواد المعدّة للقيام بمهمّة واحدة كمعجون الطلاء والأدوية الطبيّة. ثانياً، جيل بنية النانو الناشطة (active nanostructures)، الذي نحن بصدده ويمتدّ حتى سنة 2010، متناولاً الموادّ التي تنجز مهمّات متعدّدة كأجهزة الإنذار والترانزيستور. ثالثاً، جيل أنظمة النانو وهدفه المواد القادرة على تحقيق التفاعل بين آلاف العناصر المكوّنة لها، كشبكات التفاعل الثلاثية الأبعاد. ورابعاً، جيل أنظمة النانو الجزيئية (molecular nanosystems) الذي يُتوقّع أن يبدأ بين عامي 2015 و2020، لتصنيع الأجهزة المتداخلة، المعقّدة وذات التسلسل الهرمي كالتصاميم الجزيئية والذرية التي تشبه في عملها خلايا الثدييات.
ويلجأ العلماء إلى مقاربات أساسية ثلاث في شرح مبادئ النانوتكنولوجيا، وهي: مقاربة التركيب (bottom-up approach) التي تعتمد على تجميع العناصر الأكثر صغراً ودقّة للحصول على أنظمة أكبر وأكثر تعقيداً، وذلك بواسطة تجميع الخلايا بعضها لبعض كيميائياً مثل نانوتكنولوجيا الحمض النووي. مقاربة التجزئة (top-down approach)، وهي عكس المقاربة الأولى، بحيث يجري تصنيع عناصر صغيرة انطلاقاً من أدوات أكبر منها حجماً دون مراقبة المستويات الذريّة، ثم توجيه إعادة تجميعها، كاستخدام الوسائل المتحدّرة من السيليكون في إعداد المعالجات المصغّرة (microprocessors). والمقاربة الوظيفية (functional approach) التي ترمي إلى تطوير عناصر معيّنة لأهداف وظيفية معيّنة دون التركيز على طريقة تجميعها، مثل بناء جزيئات ذات خصائص إلكترونية ومركّبات كيميائية محدّدة الوظائف لتجميع المحرّكات الجزيئية
من جهة ثانية، ستسمح التطورات في هذا الميدان بخلق فرص عملية كثيرة ومهن جديدة يمكن أن يستفيد منها طلاب الصيدلة والعلوم الطبيعية والبيو ــ فيزياء والبيو ــ كيمياء. ولكن الباحثين يشدّدون على ضرورة إخضاع العاملين في حقل النانوتكنولوجيا لفحوص مخبرية دورية، كذلك دعا القلقون إلى نشر المعلومات عن مخاطر النانوتكنولوجيا على مواقع الإنترنت وفي وسائل الإعلام وفي الجامعات والمعاهد.
الباحث جان بيار دوبي دعا إلى وضع ما يشبه بيان شرف يؤكد على تزامن الأبحاث العلمية النانوكنولوجية مع أخرى اجتماعية نفسية تدرس تأثير هذه التطورات، وأن يجري إخضاع العاملين في مختبرات التكنولوجيا النانوية لدورات «أخلاقية» توجّه عملهم.
يقول أندرو ماينارد، كبير المستشارين العلميين لـ«مشروع النانوتكنولوجيا المنبثقة»: «إن النجاح هنا يتطلّب الاستفادة من دروس الماضي الواضحة، والعمل بحكمة وصدق وتواضع. فالفرصة سانحة لتحقيق ذلك، لكننا لم نصل إلى برّ الأمان بعد». هل نصل بالنانوتكنولوجيا إلى برّ الأمان؟.. ماينارد على حقّ، فعِبر التاريخ نقطة جيّدة للانطلاق.