الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة تتجاوز حقوق الناس


عمر نشّابةعشرات التقارير الصادرة عن هيئات غير حكومية محلية ودولية تعدّد حالات التعذيب والإذلال والتمييز العنصري التي يتكرّر تعرّض مشتبه بهم بارتكاب جرائم لها على يدّ رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة ومخابرات الجيش.
القضاء المحلي يعاني «أزمة غير مسبوقة» كما وصفها كبار القضاة ما يصعّب ويؤخّر لجوء ضحايا الانتهاكات إليه. فالتشكيلات القضائية معطّلة، والاهتمام بإصلاح مؤسسات السلطة القضائية المستقلّة وتطويرها شبه معدوم منذ انطلاق مرحلة ما بعد اتفاق الطائف عام 1990.
في العاشر من كانون الأول 1948 اتفقت الدول الأعضاء في أكبر منظمة دولية على النصّ النهائي الذي يستوجب احترام كرامات الناس وحقوقهم الأساسية وتعهّدت احترامه. ومن بين تلك الدول الجمهورية اللبنانية، التي أضافت تعهّدها هذا إلى نصّ دستورها الوطني، ما يفترض أن يجعل مسؤولية احترام حقوق الإنسان في لبنان أولوية.
غير أن أداء الحكومات المتعاقبة بما فيها الحكومة الحالية لا يشير إشارة واضحة إلى انتقال الاهتمام اللفظي بالحقوق الإنسانية إلى اهتمام عملي جادّ. ورغم رفع المدير العام لقوى الأمن الداخلي شعار حقوق الإنسان في خطاب تسلّمه وظيفته، ورغم تعبير المدير العام للأمن العام عن التزام نصّ الدستور والقانون ما زالت أماكن التوقيف الخاضعة لحراسة قوى الأمن الداخلي والأمن العام وإدارتهما تتجاوز المعايير الحقوقية الإنسانية الأساسية. ففي لبنان نظارات وسجون ضيّقة لا يدخلها النور والهواء الطبيعي، حيث «يزرب» البشر أشهراً وسنين قبل محاكمتهم. ويُعدّ هؤلاء مذنبين ينفّذون عقوباتهم قبل صدور الحكم! آلاف الموقوفين يطلق سراحهم بعد صدور الحكم بأيام ليس بالضرورة بسبب عدم إدانتهم قضائياً بل لأن المحكمة «تكتفي بمدة التوقيف»، ويقلب ذلك نظام العدالة رأساً على عقب ويعطّل الوظيفة الإصلاحية للعقوبة القانونية.
وزير الداخلية المحامي زياد بارود قال إثر تسلّمه وظيفته الصيف الماضي إنه يعتبر احترام حقوق الإنسان أولوية غير أن مواقف الوزير وجهوده وحدها لم تكن كافية لتحقيق تقدّم لافت في هذا الإطار. إذ يبدو أن عشرات الأوامر والتوجيهات الصادرة عن بارود للمؤسسات الخاضعة لوزارة الداخلية لم تترجم ترجمة كاملة على صعيد تعامل رجال الأمن مع المواطنين. يعود ذلك إلى ضعف ثقافة حقوق الإنسان والقانون بين رجال الأمن الداخلي والأمن العام.
أخيراً، لا يقتصر انتهاك حقوق حقوق الإنسان في لبنان على حال الموقوفين بل يتعداها إلى مسألة الكشف عن مصير المفقودين والمخطوفين، كذلك يتعداها إلى حرمان المرأة المساواة مع الرجل، وخصوصاً في حقّ منح الجنسية، وتنتهك حقوق الناس في العمل والتعليم والصحّة وتجري المعالجة بالكلام ورفع الشعارات.

شهادة إثيوبيّة تفكّر بالانتحار بعد يوم على وصولها

انتظرت السيدة الإثيوبية في المطار ساعات طويلة قبل وصول صاحب «مكتب الخدم» ليصطحبها إلى مكان العمل. السلطات اللبنانية لا تسمح بمغادرة العاملات الأجنبيات المطار بدون حضور كفيلهن أو من ينوب عنه. لكن هذا التجاوز لحقوق الإنسان والقانون لجهة ضمان حرية الحركة والتنقّل ليس الوحيد الذي ستعانيه العاملة الأجنبية في لبنان.
عندما طلب منها رجل باللباس العسكري الوقوف، كانت لا زالت ترتجف من الخوف، إذ إن هبوط الطائرة كان مرعباً، لأنها تسافر جوّاً للمرّة الأولى. حملت أمتعتها ولحقت بالرجل «يلّا خلّصينا بقا» صرخ بها. لم تفهم معنى الكلمات، لكنها شعرت بحدّة النبرة، فأسرعت لتثبت طاعتها.
من نافذة السيارة شاهدت السيدة الأجنبية ناساً وبيوتاً ومحالّ تجارية لا تشبه المشاهد في طرقات أديس أبابا. تعرّفت إلى عالم جديد لم تكن تتخيّله، مختلف عن عالمها.
فور وصولها إلى «المكتب»، أمرها مديره بالانتظار في غرفة صغيرة برفقة سيدة من التابعية السريلانكية. التفتت نحوها وابتسمت، فقابلتها بالمثل، غير أن عيون السيدتين كانت تعبّر عن مزيج من الحزن والترقّب. بعد ساعة، دخلت سيدة لبنانية وابنها الغرفة بصحبة المدير. «شو مدام، بتفضّلي إثيوبية أو سريلانكية؟» فأجابت: «ما عندك فيليبينية؟ بيقولوا إنو هول وسخين». «هيدا الموجود يا ستّنا».
انتقلت السيدة الإثيوبية إلى بيت ربّة العمل، حيث أمرتها المدام بوضع أمتعتها على بلكون المطبخ بالقرب من غرفة ضيقة كانت تستخدم للمؤن. «هون بتنامي». أمرتها بالجلي والطبخ والعناية بابنها وغادرت المنزل مقفلة الباب وراءها بالمفتاح. لم تفهم السيدة الإثيوبية شيئاً، وعند عودة المدام بعد ساعات علا الصراخ: «يا حمارة!». ضربتها ضرباً مبرحاً فهربت لتختبئ في غرفتها الضيقة. شكت المدام لزوجها أمر الإثيوبية، فدخل الغرفة وضربها من جديد، قائلاً: «بتسمعي شو عم بتقلّك المدام! شو فهمنا؟». في اليوم التالي بدأت السيدة الإثيوبية تفكّر بالانتحار...

قرينة براءة التحقيقات الدوليّة في قضيّة الحريري

رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري القاضي الكندي دنيال بلمار عبّر في تقريره الأخير بصراحة عن حرصه على احترام مبدأ قرينة البراءة الإنساني (الفقرة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)، ودعا إلى الابتعاد عن استباق نتائج التحقيق. غير أنه حرص في الوقت نفسه على حماسة اللبنانيين لتحقيق العدل وعدم إفلات الجناة من العقاب القانوني (الفقرة 64 من تقرير اللجنة). وقال بلمار إنه واللجنة يشاركان اللبنانيين انزعاجهم من عدم تحديد وقت لانتهاء التحقيقات الجنائية (8)، وشدّد على تفهّمه لمشاعرهم، واعتبر الإعلام اللبناني شريكاً يلعب دوراً أساسياً في هذا الإطار (11).
وعلمت «الأخبار» أن انخفاض حدّة التوظيف السياسي لما يرد في التقارير الدورية للجنة التحقيق إلى مجلس الأمن الدولي سهّل متابعة التحقيقات الجنائية بعيداً عن التجاذبات. وكانت مراحل عديدة مرّت بها اللجنة، تخلّلها شبه ارتكاز توجّه فئة سياسية (14 آذار) على مضمون التقريرين الأول والثاني، قد سبقت هذه المرحلة. فبعدما سمّى الرئيس السابق للجنة القاضي الألماني ديتليف ميليس أشخاصاً لبنانيين وسوريين، متهماً إياهم بارتكاب الجريمة خلال المراحل الأولى من التحقيق، كان متوقعاً أن يشنّ ذوو الضحية وكتلته السياسية هجوماً إعلامياً وسياسياً واسع النطاق على هؤلاء الأشخاص والجهات التي ينتمون إليها. وبلغت حدّة الهجوم ذروتها عندما علا صراخ أحد الزعماء السياسيين المقرّبين من الضحية، مطالباً بالثأر من سوريا. كلّ ذلك قبل اكتمال التحقيق وقبل انعقاد المحكمة، ما عُدّ نسفاً لقرينة البراءة التي تمثّل حجر الزاوية لمسار العدالة.
تولى القاضي البلجيكي سيرج براميرتس رئاسة لجنة التحقيق الدولية بعد ميليس، وتميّزت تقاريره بالموضوعية والتكتم عن ذكر الأسماء والتفاصيل. غير أن ذلك لم يسمح بتخفيف حدّة الهجوم الاتهامي السياسي استناداً إلى التقريرين اللذين صدرا عن اللجنة قبل وصول براميرتس. ورغم ارتياح براميرتس لتعاون السوريين مع التحقيق، رأى بعض النافذين في قوى 14 آذار أن براميرتس يستخدم تكتيك التكتّم، غير أنه سار على خطى سلفه. ودعم ذلك الاعتقاد رفض براميرتس انتقاد عمل القاضي ميليس عملاً بالمهنية العالية التي يتميّز بها. وبعد تقديم براميرتس 7 تقارير اتّسمت جميعها بالدقة والاحتراف دون فتح المجال أمام التوظيف السياسي، هاجمه بعض القانونيين الآذاريين، وأطلق عليه الأستاذ الجامعي شبلي الملاط صفة «حرتقجي» يخفي معلومات عن الجمهور اللبناني. غير أن براميرتس أبى أن يردّ، ورفض الظهور الإعلامي والدخول في زواريب المشاكل السياسة واللعب على وتر العلاقات اللبنانية السورية كما فعل ميليس. وفي آخر مراحل عمل اللجنة برئاسة براميرتس، بدأت حدّة التوظيف السياسي لمضمون التقارير تنخفض تدريجياً، إلى أن تسلّم القاضي الكندي دانيال بلمار زمام الأمور، فعُيّن رئيساً للجنة التحقيق ومدعياً عاماً دولياً، يتسلّم مهماته فور انطلاق عمل المحكمة الدولية الخاصّة بلبنان في مطلع آذار 2009 المقبل.



سبب تأخير التقرير

أصدر بلمار تقريره الأول (العاشر للجنة) في آذار 2008، وكان التقرير الأكثر اقتضاباً بين كلّ التقارير السابقة. وطلب من مجلس الأمن إعفاءه من تقديم تقريره التالي قبل مرور ستة أشهر. وافق المجلس، وتبين لاحقاً أن السبب الأساسي لاتخاذ بلمار هذه الخطوة كان، إضافة إلى الاستمرار في إبعاد أعمال التحقيق عن السياسة، عدم إضاعة الوقت في الصياغة الحذرة لنصّ عن تقدّم التحقيق لا يفشي معلومات قد تتيح المجال لبعض المشتبه فيهم الإفلات منه.